دار خولة > مراجعات رواية دار خولة > مراجعة Khaled Essam Al-Esawy

دار خولة - بثينة العيسى
تحميل الكتاب

دار خولة

تأليف (تأليف) 3.7
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
3

فبراير ٢٠٢٤ أمر مشعل الأحمد بحل مجلس الأمة الكويتي بسبب إساءة ضمنية "للذات الأميرية".

فبراير ٢٠١١ بعد تنحي مبارك، قطعت الدول الخليجية الامدادات البترولية لمصر اعتراضًا على تنحي مبارك، وخوفًا من تصدير الثورة من مصر وتونس وليبيا وسوريا إلى أراضيهم.

١٩٦٢ أرسل عبد الناصر قوات الجيش المصري للمشاركة في حرب اليمن بلا تخطيط مسبق، وزج البلد بعدها في نكسة ٦٧ وتابعاتها من فقد كل الأراضي المحتلة من سيناء إلى الجولان.

ويمكن مد الخط على استقامته والرجوع بالزمن لعقود ومتابعة أحداث مماثلة وصولا إلى الحملة الفرنسية على مصر ١٧٩٨م، حينما وصل نابليون بالمدافع والبنادق بينما تصدر المصريون ومشايخ الأزهر يقرأون نصوصًا من البخاري أملًا في دعم خرافي لم يأتِ أبدًا.

تصب خولة/ بثينة العيسى، غضبًا على أمريكا، الاستعمار الناعم، وسنعتبر ضمنًا خولة بعضًا من بثينة والعكس كذلك، فأنا لا أنشغل بموت الكاتب أثناء قراءة نصه، فالكاتبة أمد الله عمرها وإبداعها تحيا وسطنا، ويمكن الرجوع لعدد من لقاءاتها الأخيرة، لنجد ذلك التلاقي بين خولة وبثينة في الكراهية لأمريكا، وفقدان الأمل في الجيل الجديد، جيلي وجيل ناصر الذي تم عامه الثلاثين، حتى جاءت أحداث ٧ أكتوبر في غزة لتغيّر شيئًا من تلك النظرة المتشائمة.

أتفق مع خولة/ بثينة حول إحداث جرح نرجسي في ذات الجماهير، التي لا تظهر إلا كثوار أو ضحايا. فالجماهير والشعوب العربية بالأخص تتحرك وتنساق ككتل صماء. والأغلب لا يملك فكرًا يخصه، وكل ما يفعله هو إعادة تدوير لأشباه أفكار الأخرين. والسلطة تستغل ذلك التحرك كالبهائم، كما فعلت مع خولة، واستغلالها كمكب تفريغ.

لكن هل أمريكا/ الحضارة الغريبة هي ما يجب أن نلوم في أزمتنا العربية؟

تم الإشارة في الرواية إلى ديمقراطية ما داخل الكويت، لا أعرف سمة تلك الديمقراطية التي يتدخل فيها أمير ليحل مجلس النواب دون اعتبار لأي شيء، ودون اعتبار لأي مواطن داخل البلد، السبب والاطمئنان لفعلٍ كهذا هو اليقين أن أحدًا لن يتحرك، وأن البلد لن تنقلب إذا تم حل ذلك المجلس. والسؤال هنا، أين دور أمريكا في ذلك؟

حينما دعمت الرجعية الخليجية الثورة المضادة في مصر، وهاجمت حركات التغيير، لحفظ استقرار الوضع الداخلي، أين أمريكا في ذلك؟ الحقيقة أن أمريكا كانت تسعى لحفظ الاستقرار داخل المنطقة بأي حكومة كانت، للحفاظ على مصالحها ومصالح إسرائيل وهذا شأن آخر.

أرسل عبد الناصر الجيش المصري لحرب اليمن بلا تخطيط، وزج البلد إلى النكسة بشلة ضباط يوليو، ما هو دور المصريين في كل ذلك؟ لا شيء. بل دعم المصريون ناصر بعد النكسة لإخراج البلد من تلك الأزمة الكارثية. ولم يكُن لأمريكا دور كذلك، في سياسات ناصر الداخلية، والقمع، وحرب اليمن.

الحقيقة أن الشعوب العربية تعاني من أزمات اقتصادية في بعض الدول، بسبب أزمات سياسية في كل الدول، وشعوبنا لا تنشغل بالسياسة، وذلك لأزمة فكرية عميقة في وعي تلك الأمة، وتصورات دينية خاطئة مسيطرة على عقول الشعوب، والتحرر من تلك التصورات دائمًا عنيفًا كصورة "ناصر ابن خولة" الذي لا يتورع عن حقن وجهه بالبوتكس والفيلر وشحوم مؤخرته. والشعوب الغنية تحيا على ريع النفط، والفقيرة تحيا على أمل الجنة، والإصلاح أبدًا لن يأتي من فوق كما رأت خولة، فالحكومات لا تنشغل إلا بالقصور والفخفخة، وإن كانت أمريكا استعمار ناعم، فالحكومات العربية هي الاستعمار الخشن الواجب مقاومته.

أما أمريكا فهي تحيا على منجزها الديناميكي الذي امتد لسنوات من التغير والتطوير والإصلاح، بينما كانت الشعوب العربية استاتيكية، حتى قبل أن تكتب أمريكا نهاية التاريخ، وتعيش كقطب واحد يتنطع على كل دول العالم. ويمكن الرجوع لحلقة "الدحيح" عن الانتخابات الأمريكية، والحرب الأهلية الأمريكية، وتاريخ الحركة النسوية، ولكن لرؤية صورة بانورامية لسنوات ممتدة من التصحيح الداخلي، وأن تلك الحضارة ليست نبتًا شيطانيًا، بل نتاج سلسلة من التضحيات. شيء هكذا أبدًا لا يحدث في الدول العربية، وكما قلت حتى قبل أن تتسيد أمريكا الكوكب. وإن كان هناك سببًا لتلك السيادة فهو تلك الحالة الديناميكية.

للحضارة الغربية/ الرأسمالية أزمتها، يعاني منها الأمريكي قبل العربي، نزعة استهلاكية مفرطة، وتحفيز دائم للاستهلاك، وفردانية مرعبة، تجعل الإنسان وحيدًا يجابه العالم. لكن حتى تلك الأزمات تم التعرف عليها، بأدوات الحضارة الغربية ومنجزها، ميزانيات البحث العلمي الضخمة، قدر كبير من الحرية الداخلية، منجزات علوم النفس والأعصاب، قدرة عمل استبيانات عامة للوصول لنتائج مثل أن الاكتئاب مرض العصر.

لكن في عالمنا العربي، نعتمد على ماذا، على عقول مستنيرة، تمتلك نظرة فاحصة، مثل بثينة وغيرها، لتعميم حالات بعينها إلى سمة وأزمة يمر بها المجتمع. لكن لا تقدر على عمل استبيان حر، لا تقدر على تنظيم بطولة "بادل" نسائية كما ذكرت بثينة في كتابها عن الرقابة، أو منع جلسات يوجا كما ذُكِرَ في رواية دار خولة.

نحن لا نتأمرك، نحن نمتص من تلك الحضارة أزمتها، استهلاكها، فردانيتها، لأننا لا نقدر على دفع ثمن الحرية.

هل يخلق نظام التعليم الأمريكي، الاستقلالية وعقلًا نقديًا؟

تطرقت بثينة إلى أزمة المدراس الأمريكية، بخبرة ذاتية، وليست علمية، أرى الفجوة بين المدارس الأمريكية والبريطانية في مصر والدول العربية من جهة وبين نظام التعليم في أمريكا وبريطانيا وألمانيا وكندا من جهة أخرى، وذلك عن طريق نماذج يمكن تعميمها، الواقع أن التعليم الغربي، يخلق عقلًا نقديًا، وذلك العقل أبدع الإنترنت، وثورة المعرفة التكنولوجية، والاتصالات، والهواتف التي نكتب ونقرأ منها، وتنتج عقلًا منضبطًا بين العلم والآداب. والتعليم هناك مجاني ولا حاجة لتلك الخيبة العربية حيث توجد مدارس بمصاريف سنوية لروضة الأطفال تعادل قيمة الدراسة في أفضل الجامعات العالمية. ولماذا يسمح بتلك الخيبة في بلادنا لأننا شعوب منحلة ومنحطة، نتمتع بالكثير من البلادة والتفوق الزائف، ونسمي، على حد قول خولة، النزق تفكيرًا نقديًا، ونتباهى بالجهل المركب، ونذيب الحقائق غير المريحة بماء الإجابية المغشوشة، ونقبل مثل ناصر أن ننمسخ ونعيش حياة غير منتجة.

لذا وجب التوضيح أن أمريكا ليست الجنة، وليست البلد بألف لام التعريف، وليست الحلم، أمريكا هي أمريكا فقط، منجز حقيقي نتلمسه في كل حياتنا، ومجرم لا يتورع عن تنفيذ مصالحه، بكل السبل، لكن في السياقات والأطلال التي تبكيها خولة، كانت تلك الحضارة لا تتورع عن التمدد والتوسع في فتوحات أو احتلالات أينما كنت ستراها بعينٍ مختلفة. لكن يبدو أن هذا هو سبيل الانوجاد في ذلك العالم؛ أن تملك من أدوات العلم والحضارة كي لا تنقرض.

يمكن الرجوع لكتاب د/ عز الدين شكري فشير "على فين يا مصر"، الفصل الثاني: منابع تهالك الدولة واستبدادها. لمراجعة المقولات الاستشراقية لبرنارد لويس، والتي اشتبك معها ونسفها إدوارد سعيد في كتابه المؤسس "الاستشراق" لمراجعة النظرة الشرقية للغرب، والتي تبناها الشرق عن نفسه، ولنكُن بقدر من الصدق والذهن المتقد للوقوف على تلك الرؤية هل هي حقيقتنا كشعوب بليدة، والوقوف على سبب تلك البلادة، والتخلف، والتي كما ذكرتُ في البدء ممتدة لسنوات ما قبل الاحتلال، فحينما جاء نابليون إلى مصر المحروسة، كنا في قاع العالم، وكنا نقرأ على جيشه البخاري، للنجاة من البنادق الفرنسية.

لم أتحدث عن غزة، لأنها الأمل الوحيد، وهي التي تعرينا بحق، هي التي تدفع ثمن الوجود والتحرر، وهي التي تشير إلى أنه في هذا العالم الآخر هنالك من يتحرك لنصرة غزة، ونحن هنا نخشى القمع. يمكن مشاهدة "بودكاست" د/ خالد فهمي عن تجهيزات النشاط الطلابي في أمريكا لدعم غزة. وإن كنت أرى أن ذلك الدعم لا يعنينا وتلك القضية لا تعنيهم إلا إنسانيًا، لكنها تعني لنا الوجود.

ختامًا، إن كانت بثينة العيسى صادقة بحق في قولها نحو أزمتنا، فلا أظنها تسعد بذلك الاحتفاء السلبي بتلك الرواية، من الجماهير المتحركة ككتلة صماء، والتي لا تقدر على كتابة مراجعة لرواية تعريها وتلعنها بلغة سليمة، وبمفرداتها الخاصة، التي لا تنتمي بالضرورة إلى قاموس "المشاع اللغوي".

وإن كنا نحن على قدر من الاتساق مع الذات، فهذه الرواية لا تقيَّم بنجمة أو نجمتين أو خمس، لأنها صفعة على وجوهنا جميعًا، وإن كنا نحترم ذواتنا فيجب ألا "نستهلك" تلك الرواية بآليات السوق الرأسمالية.

وأسوأ ما يمكن أن يحدث للأطلال ألا تجد إلا من يبكي عليها.

Facebook Twitter Link .
0 يوافقون
اضف تعليق