كتاب صنايعية مصر الجزء الثاني.
عمر طاهر .
يعود عمر طاهر في هذا الكتاب إلى إستكمال الكتابة عن رواد الصناعة في مصر بعد الجزء الأول من هذا الكتاب والذي لاق نجاحاً كبيراً وحاز على إعجاب القراء ، وهنا في هذا الكتاب يستكمل عمر طاهر التنقيب والبحث عن سير رواد الصناعة والمجالات المختلفة الذين أحدثوا طفرة وكانوا جزء من التاريخ الإجتماعي والإنساني في حياة المصريين بما تركوه من أثر واضح ، يجمع الكاتب هنا بين شطارة موهبة الصحفي المتمرس في البحث والتحري والوصول إلى المعلومة وصياغتها وبين روح الحكاء التي تتلبسه..فلم يقدم نظرته بطريقة جافة بل بشكل ممتع وكأنها حكاية مشوقة نشاهد فيها لحظات الأمل والانكسار والتشبث بالحلم ، لحظات النجاح ومرارة الفشل احيانا التي تدفعنا إلى الإستمرار بروح عنادية مقاتلة لنصل إلى ما نرنو ..في هذا الكتاب حكايات بشر كانت تحتاج من يتقصي اخبارهم وتجاربهم ويوضح الجانب الإنساني فيها ولكن المثير عند عمر هو التعبير عن الفترات الزمنية المصاحبة لتلك التجارب ومدي تأثيرها في حياة هؤلاء ، فالفرد ليس جماد بل عضو فاعل يتأثر ويؤثر في مجتمعه .
يحكي طاهر في الفصل الأول عن محمود سعد الدين الطاهري وعن حلمه في تصنيع المبردات والتكييف في مصر وعن سعيه الدؤؤب نحو تلك الخطوة وما واجهه في مصر من مشكلات وبيروقراطية حالت بينه وبين حلمه ثم أخطاء التأميم التى جارت عليه وأخذت منه حلمه ..حتى ترك شركة كولدير ورحل إلى أمريكا وتمر السنون ليتم خصخصة الشركة التي مازالت مستمرة في سوق العمل حتى الآن ، ثم يتابع طاهر في نفس الفصل الحديث عن بديع صبحي الرجل الذي اشتري حقوق الأفلام الهندية وادخلها إلى مصر لتصبح جزء من تاريخ جيل كامل بل وتغير مفهوم السينما المصرية وتنتج نوعية مشابهة لها من الأفلام المصرية حاولت منافسة هذا النوع من الأفلام وكيف استقبل الشعب المصري الفيلم الهندي وكان شريك أساسي في حياة كل أسرة مصرية .
في الفصل الثاني يتحدث طاهر عن العديد من رواد الصناعة والذين بدأوا حياتهم كأصحاب حرف وصنايعية مثل محمد غانم والذي ادخل صناعة الكوتشي إلى مصر وأحمد مجاهد الذي كان من رواد صناعة البلاستيك والملامين ..ثم يتحدث عن الشوربجي كأول من صنع الجوارب في مصر وفي هذا الفصل يقدم عمر نماذج صعدت من أسفل السلم حتى وصلت إلى أعلى الدرجات باحثة عن أحلامها وتاركة بصمة لها في تاريخ وحياة الناس .
يتحدث طاهر في الفصل الثالث عن صناعة الشيبسي كصناعة قائمة حتى يومنا هذا وعن صاحب الفضل في تحويلها من مهمة تقوم بها ربات البيوت في المنازل إلى صناعة كاملة ينتفع منها مئات الآلاف من البشر من عمال وموظفين ومهندسين وسائقين وخلافه وكيف بدأت الفكرة في رأس عبد العزيز علي .
وفي نفس الفصل يستطرد عمر طاهر حديثه عن ستلا وعن صناعة المناديل ومصنع فلورا وغيرهم من الأشياء الرئيسية في حياة المصريين وقتها .
أما في الفصل الرابع فيتحدث عمر عن السيارات وعن الميكانيكي عادل جزارين ودوره المهم في ظهور سيارة فيات ١٢٨ ثم السيارة السيات والتى أعطي الرئيس السادات أول سيارة منها كتعبير له عن حبه وفرحته بما أنجز ؛ ثم يستكمل تاريخ السيارات في مصر وبعض روادها الاوائل مثل ابو العلا وغيرهم وعن العديد من أنواع السيارات التي أدخلت عليها التعديلات والصناعة في مصر .
الفصل الخامس .
أفرد عمر المساحة للحديث عن صناعة الدواء في مصر كصناعة من أهم الصناعات فهي تؤثر في حياة وصحة المصريين واسماء الشركات التي بدأت في إنتاج الأدوية وكيف تخصص كل مصنع بإنتاج نوع معين وكيف جاءت فكرة تحديد النسل عن طريق شخص لا علاقة له بالطب ولا الصيدلة..كما شرح تطور الصناعة في مصر من تراكيب الأدوية في الصيدليات إلى وجود مصانع وشركات ذات إنتاج ضخم أصبحت الآن من أكبر الشركات في الشرق الأوسط.
الفصل السادس .
أفرد عمر المساحة هنا للحديث عن كوبري أكتوبر وعن المهندس العبقري ميشيل باخوم وكيف أسس شركته مع محرم وعن طبيعة شركته والمشاريع الكبري التي قام بها باختصار هو فصلة عن صنايعية الهندسة ومصنع الحديث والصلب وتأسيسه واهميته في الصناعة الحديثة .
في الفصل السابع والثامن يستكمل طاهر حديثه عن صنعة الهندسة وأعلامها وعن تاريخ المدن كمدينة نصر وغيرها وكيف تم تخطيطها وعن كيف بدأت الفكرة .
وفي الفصل التاسع وهو من أهم فصول الكتاب يتحدث طاهر بعذوبة وبحميمية عالية ربما لتأثر وجدانه..عن محطة القرآن الكريم متي وكيف تأسست المحطة وأهم شيوخها الذين مروا عليها وحكاية الشيخ طوبار ورفضه المتعدد في البداية لتسجيل الابتهالات بصوته والكثير من الحكايات عن الإذاعة وشيوخها.
وفي الفصل العاشر يتحدث عن بعض النساء المؤثرات في مجالات عديدة وهو من الفصول المهمة أيضا والتي أعطت المرأة حقها كجزء مهم من التاريخ الإجتماعي لمصر .
وفي الفصل الحادي عشر تكلم عن القمحاوي واحد من صنايعية محو الأمية في مصر وله دور عظيم في القضاء على الجهل وتعليم آلاف المصريين
وفي الفصل الثاني عشر عن صنايعي
التموين استينو وكيف أنشأ المجمعات الاستهلاكية والتي كانت المنفذ الأول لملايين المصريين ، وعن قدرته الفذة على مجابهة الفساد ومحتكري السلع وسيطرته على الأسواق من جشع التجار وهو ما يتماس مع الظروف الحالية ويعتبر درس للقائمين على الوزارة حاليا في كيف تدار الأزمات ويتم التعامل معها .
ثم جاء الفصل الأخير وهو واحد من أقوي وأهم فصول الكتاب ليبرز بطولة أهل السويس في أيام الحصار وكيف تعامل شعب السويس والسيدة كريمة يسن مع الأزمة وقت الحصار مع قلة الطعام والمؤؤن وكيف ضرب شعب السويس بطولة كبري تحتاج عشرات الكتب الى الحديث عنها .
كتاب شيق وممتع وبه عشرات الحكايات تكمن عظمتها في أنها ليست وحي خيال وإنما حكايات حية من واقعنا تحكي عن صنايعية ماهرين سلك كل منهم دربه ليحفر إسمه في التاريخ وليكون جزء مهم من تاريخ الصناعة وروادها..لم يعمد طاهر إلى الحكي السطحي عنهم بل بذل جهد كبير منقطع النظير ليقدم حكايات من لحم ودم بها المعلومة الصحيحة والتاريخ الحقيقي ... شكراً عمر طاهر .