رحلة في الأعماق
قدمت لنا الكاتبة والأديبة المتميزة "نهلة كرم" روايتها الرائعة "على فراش فرويد"، وهي رواية من نوع فريد قطعت مسافات كبيرة واختصرت مسارات طويلة، لتصل بنا إلى شكل ومضمون روائي بحثت عنه الرواية العربية كثيراً.
قدَّمت لنا الرواية رحلة نفسية شديدة العمق من خلال قصة نورا وعلاقاتها بمن حولها، تلك العلاقات المركبة والمتعددة الأبعاد، فيها التجاذب والتنافر وفيها الإسقاط والإنكار وفيها الامتصاص والانعكاس وفيها الكبت والبوح.
من فوق كرسي التحليل النفسي، أو من على فراش فرويد، أخبرتنا بطلتنا نورا بحكايات مريم مع إلهامي ومحسن وشريف، كما أخبرتنا كثيراً عن نفسها وأسرارها، طفولتها ومراهقتها وشبابها، حكايات الأهل والمدرسة والصديقات والحجاب والمخاوف، وأخبرتنا عن زياد.
كانت تحاول اكتشاف جبل الجليد الغاطس الذي لا ترى سوى قمته الصغيرة، هكذا هي النفس، قمة صغيرة ظاهرة في الوعي وجبل ضخم مختفٍ في غياهب اللاوعي.
بدأت نورا تدريجياً في فهم ما يدور بأعماقها، فَهِمَتْ أنها عانت الكثير من الكبت في طفولتها ومراهقتها وفرضت على نفسها الحرمان، وأنها رأت في مريم مسرحاً لممارساتها المنفية، وأنها عشقت زياد الذي أزاح عنها كل ما كان يعطل انطلاق طاقاتها الداخلية، سار معها خطوة خطوة في رحلة اكتشاف نفسها.
●"كمْ من الأشياء علينا تجنبها كي نكون أناساً صالحين، وكمْ من الأخطاء علينا ارتكابها كي نكون أناساً طبيعيين"●
في الحكي امتزج صوت نورا الذاتي مع صوت راوٍ عليم كان هو نفسه صوت نورا ولكنه متنكر في صوت آخر بديل، منحها ذلك مزيداً من الصراحة والشجاعة والجراءة، وكان فرويد ومحاوراته هو الحاضر الدائم في الرواية، تجمعت بين الأصوات أوصال الحكاية متتابعة بتداعٍ حر واسترسال طليق إن شئنا لغة علم النفس، أو بتيار الوعي إن شئنا لغة الأدب.
في روايتها البديعة تتلاعب الكاتبة نهلة كرم ومعها فرويد بالعقل الباطن لنورا، تكشفه وتعريه، وهي بهذا تكشف وتعري كل عقولنا الباطنة، ولا يهم إنكارنا ذلك ولا يغير من الحقيقة شيئاً.
●"خُلق الأدب لهؤلاء الذين يدركون أنهم في حياتهم ليسوا معصومين من الوقوع في أخطاء أبطال الروايات"●
كان فرويد بنظريته الملهمة عن التحليل النفسي هو بطل هذه الرواية وكانت كلماته وآراؤه تتسلل بين سطور صفحاتها، فرويد الذي على الرغم من النقض والدحض الذي واجه نظرياته من علم النفس الحديث، فلا تزال تلك النظريات تحمل جاذبية شديدة خاصة في الأدب والفن.
استعملت نهلة كرم لغة نفسية شديدة العمق والتركيز، كانت العبارات تتوغل داخل نفس نورا ثم تعود إلينا مفرداتها محملة بزخم وألم وخوف وحيرة وشعور بالإثم.
استمتعنا باللغة العذبة في الحكي، وبالتداعي الحر في المقاطع البارعة، والتي كان يتخللها أحياناً حوارات رشيقة، ذلك التداعي الحر الذي استخدمه فرويد ليُخْرِج به مكنونات النفوس، والتي لم تكن لتَخْرُج طالما العقل الواعي يقف لها بالمرصاد يمنعها من البوح، لكن التداعي الحر يجعل اللاشعور يغافل العقل ويقوم بتسريب خبايا النفس ولآلئها، في بوح إنساني حقيقي وبديع.
كانت الفصول الأولى في الرواية طويلة تشي بثقل نفس نورا وأعبائها، ولكن الفصول الأخيرة كانت قصيرة ورشيقة، تقفز في الهواء مع خلاص نفس نورا من أعبائها، وكنا نقفز معها، واستمتعنا كثيراً، وعندما ذهبت لمقابلة خالد لنشر روايتها، وفي السطر الأخير، نظرنا معها إلى السماء لعلها تأتينا بالرد سريعاً.
إذا كان فرويد قد استلهم العديد من أفكاره من الأدب وبالتحديد من أعمال ديستويفسكي وخاصة "الأخوة كارامازوف" و"في قبّْوي" وغيرهما علاوة على حكايات الأساطير الإغريقية القديمة، فإن الأدب في المقابل يدين بالفضل لفرويد في إلهاماته واستبصاراته التي نضحت بها العشرات من الروائع الأدبية.
إن رواية "على فراش فرويد" هي واحدة من أروع تلك الإلهامات والاستبصارات، فشكراٌ لعلم النفس وشكراٌ للأدب، وتحية للكاتبة المبدعة "نهلة كرم" على هذه الرواية الفارقة.