البراني.. بين الموسيقى والتكنولوجيا.. مزيج فريد من الإثارة والأصالة في عمل روائي ممتع
دعاء الشامي
"سأقتلك.." بهذه الكلمة افتتح أحمد ولد إسلمُ روايته "البراني" التي ستأخذك إلى مزيج من الإثارة الاجتماعية والفكرية معًا.. مراوحا بين عالم موغل في البساطة والبدائية والأصالة وآخر غارق في المدنية والسرعة والفردانية وبين هذين العالمين يمر بنا برشاقة فيما يزيد بقليل عن مائتي صفحة لاستقراء مستقبلنا القريب مع التكنولوجيا..
تجذبك الرواية بداية من غلافها، حيث ترى آلة موغلة في القدم يحملها روبوت... فكيف لإنسان آلي أن يعزف على آلة "التيدينيت" تلك الآلة الموسيقية المخصصة للرجال في موريتانيا بل كيف وصل عنوان المدنية الأشهر إلى مهد البداوة.. ؟؟
ثم الإهداء الموجه إلى الفنان سيدي أحمد البكاي ولد عوه أشهر فناني موريتانيا في إشارة إلى أن الموسيقى ستحتل مكانة مميزة في هذه الرواية.. لنكتشف على مدى صفحاتها وفصولها مزجًا غير مسبوق بين عالمي الموسيقى الموريتانية والتكنولوجيا فالأولى تنفرد بجنباتها ومقاماتها وأوزانها غير المعروفة في غيرها من البلاد والثانية بعيدة كل البعد عن هذا القُطر الذي لم يسمع سكان كثير من مناطقه كلمة انترنت حتى الآن فكيف لهما أن يجتمعا؟
بين الواقع والخيال
رغم ذلك التباعد الواقعي الملموس بين موريتانيا في أقصى الغرب الإفريقي و"فيوتيسيتي" حيث الخيال والمستقبل، نسج الكاتب رابطًا خياليًا كأحداث روايته بداية من فكرة استخدام نفس لغة الموسيقى وهي لغة"أزوان" في تشفير التكنولوجيا التي صنعها بنفسه في إشارة ضمنية إلى إمكانية تعريب التكنولوجيا وجعلها تعبر عن هوية أصيلة.. فـ"ما يخرص" هو إنسان آلي صنعه "مختور ولد احويبيب" ليرعى الغنم ويحلب البقر وينهي مهام راع مجتهد يشقى صباحًا في مزرعته بسهول النعمة أقصى الشرق الموريتاني ويتواصل معه في المساء عبر تقنية غاية في التعقيد ليسمع صوت بقراته..
وهكذا يأخذنا الكاتب إلى دنيا الروبوت، ولكن هذه المرة من دون أن يترك عالم البادية الذي جاء منه وواضعًا بين أيدينا مقارنة صريحة بين النعمة وقيمها الضاربة في الكرم والمحبة والمؤازرة وبين تلك الجزيرة الخيالية التي ترك أربابها ماضيهم وباتوا جزءا من عالمها الذي تحكمه مفاهيم الرأسمالية والمصلحة فمن أنت هنا تعني كم تكسب من المال مقابل ما تبيعه من وقتك...هل يذكرك ذلك بشيء؟؟!
في عالم الأخبار
مختور ، ذلك الموريتاني الذي نسج الكاتب شخصيته لتكون خليطًا بين المعاصرة والأصالة بداية من سيارته فائقة السرعة باهظة الثمن التي يقودها ببطء شديد في تحد للمعايير ومستمعا إلى أغاني "ولد عوه" على كاسيت قديم ركبه عنوة بدلا من مشغل الوسائط المتقدم الذي كان يشغل نفس المساحة في السيارة..
ويواصل تعريفنا على "مختور "من عدة زوايا مقارنا بين ماضيه وحاضره، فهو يعمل في أكثر مكان بالجزيرة يهتم بالوقت، حيث الثانية لها دور والتأخر لجزء منها ربما يوقعه في كارثة يراها العالم أجمع فهو منتج للأخبار وظهور الصورة السوداء التي تكسو الشاشة لا يحتاج إلا لذلك الجزء من الثانية ليعلن فشل الموظف. وهو نفسه الموريتاني الذي يصنع كأس الآتاي الأول في خمس وأربعين دقيقة كاملة ليرتشفها في ثوان معدودة، والأتاي هو المشروب الموريتاني الفريد الذي يحتاج حسب التقاليد هناك إلى ثلاث جيمات "جمعة وجر وجمر" وتعني جمع من الناس وجمر لإعداده وحديث ممتد لا تحكمه عقارب تسير بسرعة فائقة كتلك التي تحسب أجور عمال "فيوتسيتي" مقابل عملة الكترونية توضع في حساباتهم البنكية ..
قرر ولد إسلمُ في كتابه أن يدور في أجواء غرف الأخبار بالقنوات الإخبارية العربية، التي ربما يتابعها الملايين ولا يعرفون كيف تدار ولا تراتبية العاملين فيها بداية من المراسل الذي يقف في الشارع شاهدا على الأحداث مرورا بالمنتج المسؤول عن المحتوى وصولا إلى مدير التحرير ولكل منهم دور في تسيير العمل ووصوله إلى شاشات التلفاز ليكون خبرًا يتحدث عنه الجميع..
وكعادته في المزج جمع الكاتب شخصيات روايته فهناك لبناني وفلسطيني ومصري وموريتاني وهي توليفة شائعة في غرف الأخبار بل في صناعة الإعلام عربيًا جمعها في جزيرة المستقبل تلك، ليقدم دور كل منهم في العمل وتأثره بما حدث في بلاده من نظام حكم وفساد ومخاوف تبقى حبيسة العقل والفكر حتى لو كان كل منهم يحمل أعلى الشهادات ووصل لعلى المناصب ويظهر ذلك في أبسط قواعد العمل..
ليترجم للقارئ كيف تكون التغطية وقت الثورات ملقيًا الضوء على ما حدث خلال أعوام سابقة في دول عربية عديدة ومعلنًا أن الانسان بالأساس ثائر.. وكاشفا عن كواليس عمل نراه جميعًا ولكن ربما لم تتح الفرصة من قبل للتعرف عليه عن قرب.. وربما ساعده في ذلك انتقاله للعمل بين عدة قنوات إخبارية عربية وعالمية كصحفي قبل أن يكون روائيًا..
ماذا نفعل لو تجمد الوقت؟
الوقت هو كل ما نملكه هو ذلك العداد الذي يحسب بدقة تلك المدة التي نقضيها على الأرض هو عمرنا، وهو ذلك المقدار الذي يفصل بين ما يمكن أن ننجزه من خير أو شر فالوقت ثابت وما نفعله خلاله متغير باستمرار وقد تفصل ثوان معدودة بين روح تملؤها الحياة وأخرى فارقتها، فماذا يمكن أن يحدث لو توقف الوقت فجأة ؟؟
تجميد الوقت.. هذه الفكرة سطرها الكاتب في أفعال "البراني" ذلك الروبوت الذي صنعه "ما يخرص" في أوقات فراغه ليعلن عن تمرد الآلة على صانعها وهي ذاتها التي حيرت مختور وهو العالم في البرمجيات وهي نقطة ارتكاز في كتابة الرواية بكاملها. وهي هاجس ربما يمر في عقولنا في أحيان كثيرة إلا اننا لم نختبره بعد..
هل تتمرد الآلة؟
ورغم أن "ما يخرص" لم يكن شريرا بالمرة إلا أن نتيجة فعله كادت أن تقضي على حياة كثيرين في"فيوتيسيتي" والعالم أجمع واولهم "بالخير" جار مختور في مزرعته البعيدة التي لم تسلم من الأذى..
فهل ينجح الانسان الآلي في السيطرة على البشر وتنفيذ أوامر خاصة بما يريده هو متمردا على تلك المشفرة بالفعل داخله عند صنعه؟ أم أن الروبوت ليست لديه رغبة في السيطرة علينا كما أعلن هو نفسه في المقال الذي كتبه انسان آلي في افتتاحية الجاريان قبل مدة بسيطة تحت عنوان "نحن لا نخطط للسيطرة على البشر!؟؟
ولد إسلمُ يبدو انه انشغل بهذه الفكرة فترجمها عملًا روائيا ولكنه فضل أن يتركنا مع هذه وأسئلة أخرى كثيرة طرحها في روايته التي جاءت متماسكة ورشيقة، بسلاسة روائي متمكن من لغتي الموسيقى والتكنولوجيا في آن، وإثارة تليق بكتابة خيال علمي تحترم القارئ، أخذ على عاتقه أن يحذرنا من اختفاء روابط الإنسانية البسيطة وما يترتب عليها من ضياعنا جميعًا وينطلق في ذلك من واقعه اليومي غير لاهث خلف مدنية متسارعة بل مقارن بين ماكان يحكمنا وما قد يحدث قريبًا جدًا..
ويبدو أن صراع الماضي والحاضر يحتل مكانا لدى أحمد ولد إسلمُ فكان خطًا رئيسًا في روايته "البراني" الصادرة عن دار الآداب عام 2021، فقد كان محور روايته الأولى "حياة مثقوبة" والتي صدرت عام 2019 عن دار الشروق المصرية كما حملت مجموعته القصصية الأولى الصادرة عن الدار العربية للعلوم عام 2015 بعنوان " انتظار الماضي".. فهل تحمل أعماله القادمة ذلك الخط نفسه أم لا؟