كانت السكرية بالنسبة إليّ أكثر أجزاء الثلاثية حزنًا وتأملًا. في بين القصرين تعرفنا إلى الأسرة، وفي قصر الشوق تعمقنا في شخصياتها، أما في السكرية فقد شعرت أنني أراقب الزمن نفسه وهو يمر فوق الجميع: يكبر الأطفال، يشيخ الآباء، تتغير الأفكار، وتعود شخصيات من الماضي في صور جديدة.
أكثر شخصية أثرت فيّ كانت كمال. وأظن أن العبارة التي تلخصه هي:
كمال يراقب الحياة ولا يعيشها.
هو يحلل الحب، والموت، والدين، والسياسة، لكنه كثيرًا ما يحول التجربة إلى فكرة بدل أن يدخل فيها. يريد أن يفهم الحياة قبل أن يختار، بينما الحياة لا تمنح أحدًا يقينًا كاملًا. وهكذا تضيع منه فرص، ثم تصبح الفرص الضائعة مادة جديدة للتأمل.
لم أشعر أن محفوظ ينتقد التفكير، بل ينتقد التفكير حين يصبح بديلًا عن الفعل. فالعقل قد يكشف الحقيقة، لكنه إذا لم يتحول إلى قرار أو التزام، يصبح عبئًا يفصل الإنسان عن حياته. في المقابل، يمثل ياسين الطرف الآخر. فهو لا يغرق في التحليل، بل يستسلم لرغباته مباشرة. يبدو أكثر حرية من كمال، لكنه في الحقيقة أسير شهواته. ومن خلال الشخصيتين شعرت أن الإنسان يحتاج إلى توازن: ألا يعيش متفرجًا مثل كمال، وألا يعيش منقادًا للرغبة مثل ياسين.
ومن أجمل تيمات الرواية الفرق بين الفكرة والواقع. من السهل أن يتحدث الإنسان عن الشعب والعدالة والتغيير، لكن مواجهة الناس الحقيقيين، بفقرهم ومرضهم وتناقضاتهم، شيء مختلف. الفكرة تبدو نقية في الذهن، لكن تطبيقها يكشف تعقيد الحياة. كما لفتني تصوير الزواج بوصفه مؤسسة اجتماعية أكثر منه علاقة حميمية. الرجل يستطيع أن يبحث خارج الزواج عن المتعة والحرية، بينما تبقى المرأة محصورة في دور الزوجة والأم. لذلك لا يبدو الزواج قفصًا للطرفين بالدرجة نفسها.
أجمل ما في السكرية هو طريقة محفوظ في تصوير الزمن. الماضي لا يختفي، بل يعود في لقاءات ومصادفات ووجوه قديمة. الزمن لا يسير في خط مستقيم، بل كأنه يلتف ويعيد الأشخاص إلى حياتنا بعد أن يكون كل شيء قد تغير.
عندما أنهيت الرواية شعرت بخواء حقيقي. لم أشعر أنني أغلقت كتابًا، بل أنني ودعت أسرة عشت معها أعوامًا. وهذا في رأيي أكبر دليل على عظمة الثلاثية: أنها لا تجعلنا نعرف الشخصيات فقط، بل تجعلنا نشعر أننا فقدناها.
السكرية خاتمة مؤثرة وعميقة لواحد من أعظم العوالم الروائية التي قرأتها.
