أبدا لا يفشل قلم نهلة فى منحى ساعات من المتعة واستكشاف العوالم الجديدة، ومثل كل مرة، أحب قراءة حكاياتها بعد منتصف الليل وأنا أنصت للبرنامج الموسيقي الذى يبث موسيقى (التانجو الأخير فى باريس) كأن نهلة تخترق بعدا زمكانيا، وتروى لنا من عصر قديم أصيل رغم حداثة قصصها واستخدامها لأساليب مبتكرة فى السرد، ففى روايتها الرابعة تبتعد قليلا عن الرواية الكلاسيكية، وتستعمل المتتالية القصصية للمرة الأولى، ستة فصول يصلح كل منها ليكون قصة مستقلة بذاتها، خمسة فصول مكثفة، وواحد متشظى مبعثر بين أقرانه، فى كل منهم حكاية طويلة أو نوفيلا قصيرة، تتقارع مع زميلاتها فوق العمود المعدنى المسمى بالبول، وتتشابك الحركات بين الحكايات، فتارة تحلق نحو السماء مثل الفراشة، وتارة تنطوى فوق نفسها باحثة عن الثقة، وتارة تهوى من عل ناحرة صاحبتها كالمقصلة.
..
راق لى كثيرا اختيار الحركات المناسبة تماما لكل شخصية من الشخصيات الست، (الست)، لا أعلم هل هذا العدد الرمزي مقصود أم لا، لكن الرواية أنثوية بجدارة، عسير للغاية أن يكتبها رجل، تحوى تفاصيل دقيقة، مبهرة، عن حياة النساء، وعن معاناتهن مع قسوة بعض الرجال، بل ومع بعضهن بعضا، خفت من نفسى أحيانا وأنا أقرأ، أشفقت على ابنتى، وزوجتى، وشقيقتى، بل وأمى، خفت على زميلاتى فى العمل، ومن أسلوبى معهن، مهما توهمنا استيعاب القوارير، ومهما توهمنا فهمهن ومحاولة الرفق بهن، فهناك طبقة لا ندركها مهما سعينا، يتأذين بها، فيبادلن الأذى بالأذى، أو بالهروب المؤلم الذى يقهر ربما بأشنع من رد الفعل العنيف.
..
أسلوب نهلة كالمعتاد بالغ الرشاقة، يملأ الفراغات بسهولة، ولا تمله مطلقا، بل تركض معه فوق السطور متلهفا للحكاية التالية، وهى ميزة جبارة أحببتها منذ قرأت لها أول مرة، وأعد نفسى محظوظا أن وجدت قلما آخر أترقبه وأنتظر إبداعه، فما زلت أؤمن أن القراءة مثل غيرها، بها نوع من الكيمياء بين القاص والمقصوص عليه، شئ مبهم يبهر شخصا بعينه، يصيده مثلما يجذب المغناطيس برادة الحديد.
..
أحييك يا نهلة هانم على هذا النص الآسر.

