☆ قراءة في رواية "الكل يصلّي في النهاية" للروائي اللبناني "عبد الحكيم القادري".
بدا لي عند اختياري هذه الرواية أن ثمّة فخّاً مجازيّاً في عنوانها، فإما أن تكون رمزية الصلاة بكونها قناعٌ من طهاره يُخفي وراءه سخاماً أسوداً من خياناتٍ وأكاذيبَ وسوء طويّة، أو أنها، على حقيقتها، صلاة الخيبات والرغبات حيث تكون الملاذ الأخير للروح المتعبة التي جلدتها سياط الخوف، الفقر، الفقد، عندما لايتبقى أمام العاجز سوى الركوع والتضرّع مرتلاً آيات ندمه وحزنه الكتيم.
كان عليّ أن أقرأ الثلاثيّة من أولها، إذ أنّ "الكلّ يصلّي في النهاية" هي الرواية الثالثة من ثلاثية "الخلدان الصّمّاء" للكاتب "عبد الحكيم القادري"، ولكن اتضح لي من خلال تعريفه بالرواية أن كل جزءٍ من الثلاثية يمكن قراءته بمفرده بصفته عملاً مستقلاً.
في الرواية "مارغريت ضو" كاتبة خمسينية تداوي ندوب روحها عند طبيبها النفسي الذي يصرّ على أنّ آلامها الحالية منعكسٌ لآلامٍ قد تكون مغيّبة من الذاكرة لكنها حاضرة في الوجدان، ومن خلال حوارها النفسي العميق مع الطبيب وتفاصيل الرواية التي تكتبها تتفسّر لنا المنعطفات الحاسمة التي شكّلت شخصيتها وأثرت في حياتها.
مقتبس: ❞ باعتقادك، إنّ مشاكلي الحاليّة قائمة على ما بقي في ذاكرتي من تجارب سابقة. حسنًا كما تشاء. ولكن، من أين أبدأ؟ من مقتل أمّي، أم مقتل سوسن، ابنة خالتي، قبلها ببضعة أَشهُر، وأمام عينيّ أيضًا؟ من أين يا حكيم يبدأ المرء في تَعْداد الخيبات ❝.
في الرواية شخصيّات محورية كثيرة لكنها حاضرة/غائبة في الوقت ذاته؛ حيث لانتعرّف بهم إلا من خلال حديث ماغو (مارغاريت) عنهم، وموقفها منهم.
في الرواية خيانة وطن وعمالةٌ للكيان الصهيوني من عائلةٍ تقود سلطةً عليا في البلاد (لبنان) وتدفع ابنها ليكمل معهم مسيرة الخيانة لأجل المنصب والمال. وفي الرواية حبّ مختلف/شاذ تبثه "حياة" اللقيطة، والتي تسمي نفسها (نطفةٌ من دنس) نحو سارة ابنة خالها وشريكتها في السكن، وحكاية "هاني" الذي جرح عروسه ليلة العرس بغيابه المُفجع. وتفاصيل أخرى أكثر تشعّباً وتداخلاً.
☆ وحول الرواية أضع النقاط الآتية:
☆ يبدو جليّاً للقارئ أنّ "مارغريت" تعاني مرضاً نفسياً أتقن الكاتب توصيفه من خلال حديث البطلة وتحليلها للمواقف التي مرّت بها، وفهمتُ من الكاتب، من خلال تعريفه بالرواية، أنّ اسم هذا المرض هو (اضطراب الشخصية الحدّية)، وللواقع لم يمرّ بي رواية نزلت بإحدى شخصياتها هذا المنزل وقدّمت توصيفاً دقيقاً لهذه الحالة التي يبدو بوضوح أنها شديدة التعقيد ومُفرطة بالتفاصيل.
☆ بيدَ أنّ القارئ ملزمٌ بالتمييز بين روايتين يقرأهما معاً، رواية الكاتب عن "مارغريت" ورواية "مارغريت" عن نفسها، إلا أنّه،القارئ، لن يعاني من التشتّت والتداخل بين الحكايتين طالما أنّ جوّهما العام شخصيةٌ واحدة. والواقع أحببتُ هذا التداخل الذي شفع حبكة الرواية الأصل بحبكةٍ أخرى زادتها عمقاً وتفصيلاً.
☆ الحدث السياسي واضحٌ في الرواية، لكنّ الكاتب تعمّد إحالته إلى هامش الأحداث وجعله ظلّاً مشؤوماً يُنذر بزلزالٍ يدمّر الوطن كله (على سبيل المثال: نبأ اغتيال رشيد كرامي يمرّ في الرواية بصفته خبراً عابراً بثّته الراديو وسمعته ابنة الجيران..).
☆ يندر أنّ نجد في هذه الرواية شخصية فاضلة، متوازنة، فكلهم أصحاب عيوبٍ أدناها الخيانة، وهذا شيء أقرب للواقعية والتصديق، وشخصيّاً أحبّ الرواية التي تكون مرآةً للمجتمع وليست معرضاً للمثالية.
☆☆ بالمجمل، هذه رواية عن الندوب والتشوّهات النفسيّة التي من خلالها تكتمل إنسانية الشخصية الروائية خلف السطور، حيث يصير الشّرخ الخفيّ والعيبُ والاعتلالُ النفسي هو محرك الأحداث ومنطلقها، والشخصية الفاعلة (مارغريت في هذه الرواية) هي تلك التي تُصارع ظِلَّها، فتنهزم أو تنتصر أمام ضعفها.
● الكل يصلي في النهاية
● عبد الحكيم القادري
● دار أبعاد للنشر والتوزيع
● الطبعة الأولى 2025، 432 صفحة.
● قرأتها على أبجد.

