أثناء قراءتي لمقتطفات من مذكرات روزا ياسين حسن التي أودعتْها طيّات كتاب* اشتركت فيه مع ستة كتّاب آخرين دوّنوا فيه ما يتذكرونه عن أيام المدرسة في سوريا، وجدتني أنجرف مع ذكرياتها وكأنها ذكرياتي. صدمني أنني اليوم وبعد أكثر من ثلاثين عاماً أفهم مشاعري وخوفي والتوتّر الذي كان يعتريني على مقاعد المدرسة الابتدائية الجرداء التي وصفتها هي بصورة تحاكي ذاكرتي ومخاوفي تماماً. أنا الفتاة السنّيّة التركمانية الحمصية وجدتني أشترك مع روزا الفتاة العلوية التي تعيش في اللاذقية بالكثير من التفاصيل التي لم يسبق أن خطرت لي على بال.
درستُ سنوات الابتدائية الأولى في مدرسة أبناء الضباط في الصنمين. أذكر أن الاستيقاظ للمدرسة كان يرافقه خوف، خوفٌ لا يزول حتى لو كنت قد كتبتُ الوظيفة، أو حصلت على علاماتٍ عالية في المذاكرات. خوفٌ يستمر في الباحة وفي الصفّ وعلى الدرج. مغص مستمرّ في البطن مقترن بتوتّر لم أفهمه يوماً، إلى أن تحدّثت روزا عن رفيقة الدراسة على مقاعد الابتدائية، الفتاة الجميلة جداً، والمهندمة جداً، والتي يوصلها والدها بسيارة فارهة، والتي تتناول موزة في الفرصة، والتي يصعب على أي فتاة مجاراتها أو إثارة انبهارها لاتساع هوة المقارنة بينها وبين بقية الطالبات. فما خطر ببال الصغيرة روزا إلا أن تحدّثها عن اجتماعات سرية تحدث في منزلهم، عن أصدقاء والدها الذين يحضرون ليلاً لتدور بينهم أحاديث حامية الوطيس تتصف "بالسرّيّة"، ثم يغادرون في صمت.
ظنّت الطفلة أنها تضفي على حياتها البائسة بعض الآكشن أمام "ميريام" التي تصعب مجاراتها، وكانت النتيجة زوبعةً من الأسئلة والاستجوابات والاستدعاءات إلى مكتب المدير لروزا ووالديها. رأتْ الخوف والرعب في عيني والدتها، وتسليم والدها أمامها بأنه قد يختفي كما اختفى عمو "محمد" صديقه. عاشت روزا الرعب الحقيقي لأنها خبّرت بما يحدث في البيت. وخالفت القاعدة رقم واحد: لا تتحدثي بما يحدث في البيت. المسألة أنك قد تكون يسارياً وشيوعياً ومعارضاً لحزب البعث، وقد تعتقد أن تأتيك الوشاية من أي حدبٍ وأيما صوب، ولكن ليس من "ميريام" ذات الجدائل الشقراء في صف ابنتك في الابتدائية.
الخوف الذي وصفته روزا، والرعب الذي عاشته إلى أن مرّت الزوبعة على خير دون اعتقال والدها ذكّرتني برعب عدم الإفشاء الذي عشته طفلة صغيرة لا تعرف ممّ تخاف، ولكنها محملّة بقائمة طويلة مما لا يجب الحديث عنه. أنا كسنّيّة في مساكن الضباط كنت أخفي السرّ المميت بأن والديّ يصلّيان. كنت أخفي، بل وألغي من قاموسي مصطلحات الصلاة والوضوء والسجود والركوع. كان موضوعاً محرماً قد يودي لعواقب وخيمة لا أعرفها، ولكن أعرف أنها مخيفة. روزا بالمقابل تنتمي لأسرة تشرب العرق، ومحسوبة على طائفة النظام، وكل ما فيها يوحي بأنها منّا وفينا، ومع ذلك لديها ما تخفيه وما تخاف منه، لأن والدها شيوعي يساري. ذلك أنّ الإخفاء ليس مرتبطاً بطائفتك ولا قوميتك وإنما بولائك. بأن تكون محسوباً على النظام. من الدائرة الضيقة. والدائرة الضيقة لا تضم المسؤولين والمنتفعين فحسب، بل حتى المخبرين، وإن كانوا منتوفين.
أليست مرعبةً فكرة أن يكون المخبر طفلاً في المرحلة الابتدائية؟ وأن تكبر وأنت تعرف أن هناك أشياء يجب إخفاؤها، من دون أن تعرف أسماءها أو الأفكار التي تنتمي إليها؟ تعرف فقط أنها ممنوعة، وأن الاقتراب منها خطر. والطفل المخبر غالباً لا يولد مخبراً، إنه ابن بيئة لقّنته مبكراً قاموس الكلمات المحظورة وحدود ما يجوز ولا يجوز. قد يقود تعليق عابر بين طفلين إلى وشاية بأسرة كاملة، دون أن يفهم أيّ منهما معنى الشيوعية أو الإخوان المسلمين أو المعارضة. يكفي أن يذكر أحدهما كلمة سمعها في المنزل، أو طقساً دينياً يمارسه أهله، حتى تبدأ سلسلة الشبهات والأسئلة. نظام حكم يجعل الأطفال جزءاً من منظومة المراقبة، فتخترق الدولة آخر مساحة أمان في المجتمع.
في سوريا الأسدية كما في ألمانيا النازية وروسيا الشيوعية، أنت محاط دائماً بالمخبرين، لا ينجيك منهم إلا أن تكون مخبراً. وهو أمر قد تعرف كيف تتعامل معه في سنوات المراهقة والشباب وما بعد، أما أن تكون طفلاً فأنت عبارة عن روح خائفة مرتجفة لديك ما تخفيه. لا يمكنك البوح لصديق في المدرسة أن لك قريباً معتقلاً سياسياً. بل يجب أن تنساه، وكأنه لم يكن. لا يمكنك ذكر أن أحد أقاربك جُرف وكُسح في أحداث حماة فقد تكون إخونجياً مثله. ستكون طفلاً آمناً مطمئناً في حالة واحدة فقط: أن تكون ابن أسرة نموذجية، أسرة أسدية نموذجية كما أسرة جوزيف غوبلز وماغدا غوبلز وأطفالهما الستة، الأسرة الآرية النموذجية، التي سوّق لها هتلر والنظام النازي.
أسترسل بخيالي وتحليلاتي وأنا أقرأ مذكرات روزا حسن، وقد فهمتُ بعد سنوات هذا الخوف الكامن في أعماقي، لتلتمع بنفس طريقة التجلّي صورة سلاف فواخرجي الطفلة الآمنة المطمئنة التي تنتمي لأسرة آمنة مطمئنة في زمن لم يكن فيه أحد مطمئناً. لقاءاتها المثيرة للاشمئزاز وهي تصف السلام النفسي والروحي والديني والاجتماعي الذي عاشته في ظلّ أسرتها في اللاذقية أوحى لي بأنها ابنة أسرة أسدية نموذجية. فهمت الآن، فهمت أخيراً لماذا لا تشبهنا هذه المرأة. كل محاولات الانفعال الهادئ المتبّسم الذي تتحدث فيه عن سوريا اللاطائفية لا يشبهنا. فنحن جميعاً سنةً وعلويين واسماعيليين ودروزاً ومسيحيين من جهة، وعرباً وكرداً وتركمان وأرمن وداغستان وشركس من جهة أخرى، وسوريين ولبنانيين وفلسطينيين على صعيد آخر، جميعنا عانينا وخفنا من نظام الأسد والبعث، ما عدا رجالاته ومجرميه ومخبريه. هؤلاء فقط كانوا آمنين مطمئنين، وحسب.
وفي معرض الحديث أجد أن عوامل كثيرة جمعتني ببقية الكتّاب الذين شاركوا روزا في نشر مذكّراتهم في كتاب "صفحات من دفتر قديم"، بل إن عوامل كثيرة جمعتهم هم، جيل الستينات والسبعينات، اشتركوا فيها في كرههم وقرفهم من منظومة طلائع البعث، ثم شبيبة الثورة، من الموجّه الذي تعلو سلطته سلطة مدير المدرسة لأنه حزبي، ومن مدرّس الفتوة الذي حوّل ميادين التعليم ومراتع الصبا إلى قطعة عسكرية ترفل بشعارات حزب البعث. أن يُجمِع سبعة كتّاب سوريين من بيئات مختلفة ومستويات اجتماعية متفاوتة على بشاعة دسّ روح المخبرين بين صفوف الأطفال أكد لي أن ما كنت أخافه وأعانيه حقيقي، لكن لم أعرف له وصفاً أو اسماً من قبل.
تحدّث فاروق مردم بيك من موقع الطفل الذي درس في المدرسة الفرنسية الخاصة، وهو الذي ينتمي إلى أسرة دمشقية مترفة. بينما تحدث ممدوح عزام بلغة طفل درس في أشباه المدارس في المناطق النائية التي كان يفرز فيها والده الدركي على الخيل، ويتنقل من منطقة نائية إلى أخرى، وينقل معه أطفاله بين المدارس التي تضمّ في الصف الواحد تلاميذ من الصف الأول وحتى السادس الابتدائي، إلى أن انتهى به المطاف في السويداء بلده الأم. ويشابهه في ذلك صالح الحاج صالح ذو الأسلوب السردي الساخر والساحر معاً، الذي تتبيّن كقارئ من حديثه معاناة أطفال القرى مع مدرّسين هم في الحقيقة طلاب لم يتخرجوا بعد، ويعرج بذكاء طفل شاوي على طبقية المجتمع وطائفيته وتحزباته السياسية. ثم تعرض لنا كوليت بهنا مذكراتها من وجهة نظر طفلة مسيحية بين العائلات الدمشقية السنّيّة، ليست الوحيدة، ولكنها أكثر من ركّز بين الكتّاب السبعة على تفصيلة الخروج من الصف كمسيحية أثناء حصة الديانة. ثم حدّثنا سلام كوكبي كابن أسرة موثرة في حلب لم تمنعه رفاهية الحياة عن قراءة مضمرات حزب البعث، وطريقة تسللها إلى شتى مناحي الحياة بدءاً بالمدرسة والمدرسين، واعتبرهم الحجر الأول الذي بنى عليه البعثيون سطوتهم. ثم الكاتبة السادسة كانت روزا ياسين حسن، وبعدها رستم محمود، الكردي الذي نقل صورة وتفاصيل المزيج البشري العجيب الذي سكن مدينة القامشلي من عرب وأكراد وسريان وعرب الغمر، واستفاض رستم محمود في تشريح المجتمع والنظام التعليمي من بؤرة غير مألوفة للقارئ العادي.
وجدتني أشترك معهم كلهم بذاكرة جمعية عجيبٌ أمرها. فأنا لم أجرّب مثلاً الجلوس في صفّ فيه من يكبرني بعامين، ومن يصغرني بعامين، حيث يوكل الأستاذ مهمة تعليم الصغار للطلاب الشاطرين ليركز هو على الطلاب الأكبر. ولكنني شعرت بالانتماء لهذه البيئة، أحسست بها وتفاعلت معها شعورياً. أنا لا أتذكر حقبة الكوبونات والمؤسسات الاستهلاكية ولكنني شعرت بمعاناة وقوف الكاتبة كطفلة صغيرة في الطابور. افتقادهم وافتقارهم لقطعة الشوكولا أو العلكة أو حتى المناديل الورقية (المحارم). كلها أمور مطبوعة في جيناتي وإن لم أعايشها. عانيت في طفولتي من آلام في أسناني، وكنت كلما زرت طبيباً توضح له أمي بأنني مواليد 86 وبأنها لم ترضعني، ولم يكن هناك حليب للأطفال. يهز الطبيب رأسه بتفهم عن معنى فقدان الحليب في تلك المرحلة الزمنية، عن قلة الموز، عن فقر المجتمع، وسوء الخدمات في القرى، والكثير من التفاصيل التي يفهمها أي سوري وإن لم يعش في سوريا.
غادرت سوريا إلى الإمارات في عمر صغير جداً بعد أن أنقذنا عقد إعارة تدريس لوالدتي، استقال على إثره والدي من الجيش برتبة رائد. يومي الأول في مدرستي في الإمارات كان صدمة حقيقية. صُدمت بالألوان. الألوان كانت أول ما أبهرني. هذا المكان مصمم للأطفال حقاً. وعيت أنني طفلة ربما لأول مرة في حياتي. البناء المدرسي ككلّ كان مبهراً، جميلاً، نظيفاً، أبيض، على عكس المدرسة في سوريا ككتلة صماء مربعة رمادية أو بنية شبّهها الكتّاب أعلاه بالسجون السوفياتية. آلمني تذكر رفاق مدرستي في سوريا وأنا أتأمل اللوحات والرسومات على الجدران، رسومات أطفال لا تتعرض للانتهاك والتنتيف، ومجلات حائط متنوعة، ومشاريع نحت، وأشغال يدوية جميلة، تحتفي بها المدرسة وتصمدها. اعتصرت ألماً على رفاقي في سوريا وأنا أعيش تجربة الحمّام النظيف المضاء الآمن، بجدرانه البيضاء التي تخلو من أيّ رسومات أو ألفاظ بذيئة، ومشارب المياه المنعشة.. تفاصيل لا يمكن تجاوز ألمها.
أكثر ما أدهشني وأنا أستلم كتبي المدرسية المليئة بالألوان والمطبوعة بخط كبير وواضح ومقروء بسهولة هو كتاب التربية الوطنية. رغم صغر سنّي قرأته كاملاً في يومين. محتواه كان فيه المعنى الحقيقي للتربية الوطنية؛ بدأ من المنزل والحيّ والجار، إلى المدينة والبلدية والتكافل الاجتماعي، وشرح واضح لمؤسسات الدولة وحقوقها علينا كمواطنين، وواجباتنا تجاهها وتجاه الآخرين. كلام مفهوم على عكس الجمل الثقيلة المتخمة بالشعارات والعصيّة على الفهم في كتاب الوطنية السوري، الذي غادرته ممتنّةً طفلة، وعدت إليه في الجامعة بعد سنوات، لتكون مادة الثقافة أول مادة أرسب بها. أقسم أنني قرأت شتى أنواع التعابير والتراكيب الصعبة، ولم أجد أصعب من جمل هذا الكتاب، مصطلحات رنانة وذات وقع رخيم، لكنها تصطف بجانب بعضها بدون أي معنى. ولا أعتقد أن طالباً سورياً واحداً لم يبكِ من القهر، وهو يحاول حفظ مقولات القائد الخالد لجلافتها وخلوها من المعنى، وخطورة أن تخطئ في كلمة منها.
تعجز مقالة بسيطة كمقالتي هذه عن إيفاء موضوع رعب المدارس في سوريا بنظامها ومناهجها وهيئة تدريسها حقه، إلا أنني نصحت بين طياته بكتاب شافٍ ووافٍ استفاض فيه كتّابه وأبدعوا. ممتنة أنا لهذا الكتاب الذي وضع حداً لذاكرتي الضبابية التي لم تكن تفهم سبب الخوف الكامن في قلبي، وممتنة أكثر للقدر الذي أنقذ طفولتي في الإمارات حتى صارت المدرسة متعة حقيقية أشتاقها كل يوم.
هامش: نشرتُ هذه المقالة بعد قرائتي للكتاب على موقع حروف

