كانت هذه الرواية مفاجأة حقيقية.
تبدأ «جريمة الابن الصالح» بخيط واحد: شاب يُدعى يوجين يستيقظ ليجد آثار دماء على ملابسه، وجثة والدته ممددة قرب الباب. منذ اللحظة الأولى، تضعنا الرواية داخل توتر خانق؛ فكل ما حدث خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية يبدو غائبًا عن ذاكرته، وكل ما حوله يشير إليه.
تُروى الرواية بلسان يوجين، الفتى الذي يجد نفسه غارقًا في دم أمه، ثم يقف أمام سؤال حاد: ماذا جرى فعلًا؟ هل هو الضحية، أم الشاهد، أم القاتل؟ هذا الغياب في الذاكرة لا يجعله بريئًا تمامًا، ولا مدانًا بالكامل، بل يضع القارئ في منطقة رمادية مربكة، حيث يصبح الشك جزءًا من القراءة نفسها.
ومع تقدم الأحداث، نكتشف أن يوجين كان يتناول دواء غامضًا وصفته له خالته الطبيبة النفسية، التي كانت تراقبه برفقة والدته بقلق شديد. وحين يتوقف عن تناوله، يُغمى عليه بعد نوبة صرع لا يتذكر بعدها شيئًا. ثم نعرف أنه لم يكن يتناول دواءه ليلة الجريمة. هنا تبدأ المعادلة في التعقيد: ما الذي حدث حقًا؟ ومن الذي يجب أن نصدقه؟ وهل التذكر طريق إلى النجاة، أم إلى الإدانة؟
يتتبع يوجين مذكرات والدته، ويستعيد معها أحداثًا مطموسة ومشاعر مرتبكة. وكل صفحة تفتح نافذة جديدة على ذاته وعلى ماضيه الذي كان يهرب منه دون وعي. في الثلث الأول من الرواية، قد يبدو السرد باردًا بعض الشيء ومثقلًا بالتفاصيل، وكأن الكاتبة تصر على أن نسمع صوت عقل يوجين بتردده واتساع شكوكه. لكن ما إن تبدأ الحقائق بالانكشاف، حتى تتبدد سحابة الضياع ويحل محلها شعور خانق بالنور؛ ذلك النور الذي لا يطمئن، بل يكشف.
ما الذي يفعله الإنسان حين يرى نفسه على حقيقتها؟
هل يتغير؟
هل يطلب الغفران؟
هل يختفي؟
أم يمضي بلا مبالاة؟
لا تقدم الكاتبة شخصية ودودة أو معتدلة، ولا تُسهل للقارئ بأن يكون حكمّا بأريحية، بل تقوده إلى جوار يوجين، وتجعله يرى العالم من خلال عقله و طريقة تفكيره، لا من خارجه. قوة الرواية هي في قدرتها على كشف أن النجاة، أحيانًا، قد تكون الوجه الآخر للوحشية.
كانت واحدة من أجمل قراءاتي هذا العام، رغم أنني توقعتها مملة. لكنها فاجأتني، بل وأربكتني
