ذلك الحب الذي يتجاوز المفهوم الرومانسي الضيق ليصبح صراعًا بين الحرية والقدر، بين الذات والتاريخ، بين الكلمة والدم. إنه حبّ يتجلّى كمعركة داخلية، حيث العاشق يعي تمامًا أن انتماءه الأكبر ليس لفرد، بل لقضية تستنزف كيانه بالكامل. وهنا تكمن التراجيديا: هل يمكن لرجلٍ، محكومٍ برسالة وطنية كبرى، أن يكون عاشقًا مكتملًا؟ أم أن الحب في مثل هذه الحالات يتحوّل إلى ساحة نضال أخرى، حيث تتجاذبه الرغبة في الحياة والوفاء لما هو أكبر منه؟
رسائل كنفاني ليست فقط اعترافات قلبٍ يخفق بحب غادة، بل هي شهادة على عصرٍ كامل، حيث الحب لم يكن ترفًا، بل جزءًا من جدلية المقاومة والاغتراب. إنها نصوص تنبض بقلق المثقف المشتبك مع قضايا أمّته، لكنها في الوقت ذاته تكشف هشاشة رجلٍ يعترف بأن الحب، مهما بلغ من عظمة، يظل عاجزًا أمام طاحونة الواقع القاسي.
وهكذا، تبقى هذه الرسائل تجسيدًا نادرًا لعشق مشدودٍ بين أمل اللقاء واستحالة المصير، بين شاعرية الشعور وفداحة الوعي، بين رجلٍ يريد أن يمنح كل شيء لكنه مسجون في قدرٍ لا يمنحه سوى الخسارة. فهل كان حب كنفاني لغادة خلاصًا أم عبئًا آخر في دربٍ محفوف بالفقد؟ ربما تكمن الإجابة في كلماته التي، رغم مرور الزمن، لا تزال تحترق في فضاء الأدب كجمرٍ لم ينطفئ.