طبق طائر و قبة زرقاء كاشفة للنفوس والمصائر
فى أول قراءة للكاتب والمترجم محمد الفولي، كانت رحلة مشوقة ومثيرة وجديدة، وسط هذه المنطقة التي أطلق عليها فى لمحة ساخرة- تمتد معنا بطول صفحات العمل- مؤخرة العالم، وبين شخوص أجاد وبشدة رسم ملامحهم وتاريخهم و مبرراتهم الحقيقية منها و الزائفة، الصادقة منها و الكاذبة و التى اختاروها بملء إرادتهم أو اضطروا لها.
عبر أرض الموقف و بداية سريعة خاطفة موجزة أخبرنا فيها بكل سلاسة عن نزول طبق طائر به، وعبر ليلة واحدة، تغيرت مصائر كل شخوص العمل أو ربما هي فقط اختصرت -هذه الليلة- الكثير مما كان ينتظرهم لتؤول مصائرهم إلى ما آلت إليه في هذه الليلة..
رواية تبدو ساخرة و عبثية و فنتازية و لكنني ومع هذا الوصف الدقيق لشخوص العمل أراها بجدارة رواية فلسفية رمزية..تعكس واقع نحياه للأسف ونفوس تلاعبت الحياة بها وفيها.
مابين ثنائيات لم تكن العلاقات بينها توضح ثنائيتها ..ولكنها موجودة..بين الحاج طاهر و الشيخ حازم ، بين علاء بوكس و عنتر عضمة بين ام منى و مدام سناء ..ثم سماح و فتحية ..
الأولى واضحة لنا تبدأ الأحداث بها و تنتهي والثانية ورغم عدم ظهورها على الصفحات كثيرا إلا أنها كانت نقطة محورية فى تاريخ شخصية المعلم ..بل إنها هى السبب فى انتهاء مصيره لأرض الموقف.
الليلة الكبيرة..هي تشريح بطريقة مختلفة و دقيقة جدا و ربما قاسية لواقع يعيش بالقرب منا و ربما أقرب مما نتخيل..
فقد استطاع محمد الفولي عبر روايته الليلة الكبيرة أن يكشف لنا كيف يشوه الواقع نفوسنا لنستمر فى تشويهه أكثر و اكثر..أو أن قلة قليلة هي من تستطيع أن تكمل حاملة هذه التشوه داخلها دون أن تعكسه على من حولها و ما حولها..
نري هذه الحقائق فى حياة المعلم، و ام منى و في حياة سماح وعلاء وحازم..
الليلة الكبيرة عمل روائى يجعلك مع صفحاته الأولى تتناسي تماما ما ذكره الكاتب عن الطبق الطائر و الذي قد يعد حدثا أساسيا وهاما في أعمال أخرى اعتيادية ولكن الفولى يتخطاها بيسر وسهولة لنغوص مع شخصياته الثرية التي نكاد نراها أمامنا، نسمع أصواتها الداخلية بل و عباراتها المنطوقة بلهجاتها رغم قلة الحوار في العمل إلا أننا نسمعهم..و نراها و نتعايش معها..ونتوقع ردود فعلها ونواياها.
تنوع السرد الشيق والذي كان يسلمنا من شخصية لأخرى بسلاسة مابين لغة ملائمة للعمل لم تخلو من بعض المفردات الدارجة في هذه المناطق الشعبية، ومابين لغة أخرى رصينة قوية فى بعض أجزاء من العمل..جاءت ملائمة له.
وعبر احداث متلاحقة، و سريعة جدا، تتشابك فيها مصائر الابطال عن قرب، تتكشف لنا تلك قدرة الكاتب على المزج بين الواقع و الخيال ، بين الحاضر و الخيالات و الهلوسات، و استغلال هذا فى رسم ذكي للأحداث وخلق تفسيرات متنوعة لها نحتار بينها أو نختار منها ، ثم يفاجئنا بنهاية ماكرة مراوغة تليق بهذا العمل الذي يضعنا أمام رواية فلسفية هامة لم نكن نحسبها كذلك.
الليلة الكبيرة هو عمل شيق ومثير بما طرحه من نماذج للنفس البشرية، و هو عمل هام إذ ما أعدنا التفكير بكل ما طرحه من تساؤلات و بعض الإجابات و هو عمل يليق بمترجم وكاتب بحجم وقدر محمد الفولي. Mohamed ElFouly
#قراءات_2025
#قراءات_وانطباعات
#الليلة_الكبيرة.