يتناول يوسف زيدان في روايته حاكم: جنون ابن الهيثم الحقبة الفاطمية في مصر وما كان فيه العالم الإسلامي في تلك الحقبة من فتن مذهبية، والذي يمثل الصراع بين السنة والشيعة أبرزها، ويظهر على نحو خاص تقلبات الحاكم بأمر الله في هذا السياق، إضافة لدور الحسن ابن الهيثم في تلك الفترة في العمل على فكرة مشروع هندسي، يساهم في ضبط تدفق مياه النيل ليقوم الحاكم بأمر الله باستضافته ويقدم له كافة الإمكانيات والتسهيلات اللازمة لبناء سد في جنوب مصر، يعمل على حمايتها من نتائج انخفاض فيضان النيل أو زيادته.
اعتمد يوسف زيدان في روايته على تقنية سردية تدمج ما بين الحداثة والصيغة التاريخية. حيث أن الإطار الروائي يتمثل في حكاية راضي الشاب الذي قدم من الصعيد إلى القاهرة ويلتقي بأمنية التي لا تؤمن بأي مذهب.
تنشأ بين الاثنين علاقة، لا يستطيع راضي أن يفهم الخلفية التي تنطلق منها أمنية في معتقداتها وأفكارها ويحاسبها دوماً انطلاقاً من خلفيته الثقافية ورؤيته هو للأمور. وتمشي الأحداث في هذا الإطار في أول 70 صفحة من العمل دون وجود أي مؤشر على أن ما نتعامل معه هنا هو رواية تاريخية وليست رواية تتناول علاقة اثنين مختلفين في خلفيتهم الثقافية والاجتماعية.
كانت هناك بعض المؤشرات والتي كانت ضعيفة نوعاً ما في كون راضي يمتلك مكتبة لجده في الصعيد تحوي مخطوطات قديمة، يطلع أستاذه في الجامعة عليها لينتهي الأمر بنا في قراءة هذه المخطوطة خلال صفحات الرواية ما بعد السبعين لنتعرف على سيرة الحاكم بأمر الله، أخته ست الملك، صديقه مطيع والعالم الحسن ابن الهيثم.
ميزة هذا العمل أنه أضاء لي على المستوى الشخصي المعرفة حول حقبة الفاطميين وفترة حكم (الحاكم بأمر الله) الذي استبدَّ به جنون السلطة وطغى وبطش من عدة نواحي: كان عقابه القتل لأي مخالفة وكانت حجته في ذلك أن يكون الرادع قوياً حتى لا يتجرأ على حكمه أحد. كما منع النساء من الحروج من بيوتهن وكان القتل أيضاً عقاباً لمن يخالف. ممارساته المجحفة ضد المسيحيين، انتهاء لدعمه جماعة نادت بألوهيته وأحقيته في العبادة بعد الله في الأرض.
لكن بالمقابل هناك بعض المآخذ على هذا العمل من الجانب الروائي:
أولاً: رأيت أن العنوان جاء تجارياً بحتاً ولشد انتباه القارئ، حيث أن ابن الهيثم لم يكن بالمجنون. شاع عنه ذلك في بلاد الشام وخشي الحاكم بأمر الله أن يصيبه الجنون عند رؤيته للأهرامات لذلك منع عنه رؤيتها قبل اتمام مشروع السد. لكن ما كان يمر به ابن الهيثم هو صفنات وكونه كان يشتغل على موضوع الضوء والفلك وغيرها من المواضيع التي تستلزم صفاء الذهن. كما رأيت أنه زج باسم ابن الهيثم في العنوان للجذب في حين أن بداية الحديث عن سيرة ابن الهيثم لم تأت إلا في القسم الأخير. كان مجمل الركيز على سيرة الحاكم بأمر الله وأخته ست الملك وصديق طفولته مطيع وعلاقاته مع زوجته تمني وجده. لذلك أجد أن العنوان لم ينسجم تماماً مع متن النص وتوزيع السرد وثقله بالمطلق لم يكن متناسباً.
ثانياً: توزيع السرد وثقله لأحداث العمل لم تكن متناسقة ولا منطقية، حيث كما ذكرت مسبقاً، استأثرت سيرة الحاكم بأمر الله وصديقه مطيع القسم الأكبر من العمل.
ثالثاً: استخدم يوسف زيدان تقنية الدمج في السرد بين الحداثة والأسلوب التاريخي من خلال استخدامه حكاية الطالب راضي الذي وجد المخطوطة في بيت جده. لأول 70 صفحة من العمل وهو يتحدث عن راضي وعلاقته بأمنية، لدرجة شعرت فيها أنني ربما أقرأ عملاً بعنوان خاطئ، حيث لم يكن هناك مؤشراً أننا بصدد رواية تاريخية إلا في بداية الصفحات ما بعد
السبعين.
كان استخدامه لهذا الإطار الحداثي برأيي غير مبرر ولم يخدم العمل، لأنه بعد ذلك يجد القارئ نفسه يقرأ المخطوطة دونما الرجوع لإطارها وهو الطالب راضي الذي تقرر أنه سيعمل مشروع تخرجه على هذه المخطوطة. بعد الصفحات السبعين، يبتر يوسف زيدان إطارها ولا نرى راضي في الرواية مطلقاً.
برأيي لو بدأ الرواية بشكلها التاريخي دونما هذا الإطار لكان أفضل، أو إذا أراد المحافظة على الإطار الروائي، كان لا بد أن يغلق هذا الإطار في نهاية العمل. الطريقة التي استخدمها كانت مبتورة ولم أجدها منطيقة.
لكن كما ذكرت سابقاً، كان هذا العمل إضاءة لي على فترة الحاكم بأمر الله وأضاف لي معلمومات كنت أجهلها عن تلك الحقبة.