"رحيمة جان، تذكري أن في الحياة أعاصير. تأتي لتقلب كُل شيء رأساً على عقب. مع ذلك يظل عليك مُعاودة النهوض لأن الإعصار التالي قد يضربك فجأة."
هذه الرواية شعرتُ بأن أحداثها خيالية، خارج المنطق والواقع والدين وأي شيء. لماذا يتعرض النساء لكل هذا القهر؟ الظلم؟ الكسر والتعنيف؟ ماذا فعلوا لتُصبح حياتهم سطحية بهذا الشكل؟ ماذا فعلوا لتُقيد حريتهم وأفكارهم؟ دعني أقول لك ماذا فعلوا.. لقد ولدوا في أفغانستان.. فقط. فبأي ذنب قُهرت تلك الأنفس البريئة؟
في حكايتين، واحدة في العشرينيات وواحدة في الحاضر تقريباً.. تحكي "نادية هاشمي" عن وجع المرأة في أفغانستان.. كيف تعيش المرأة من ولادتها.. التي يعتبرها الأهل أنها نذير شؤم!.. إلى ما يلي ذلك ولا تتوقع أنها ستعيش أياماً طويلاً كطفلة ولها مُستقبل ووو.. أنسى ذلك عزيزي فالمرأة هُناك تتزوج وهي في الثانية عشر من عُمرها.. طفلة بريئة من المُفترض أنها تلهو وتلعب وتدرس وتُحل الفروض المدرسية.. تجد نفسها فجأة زوجة لكهل يتعدى عُمره الأربعون إذا كانت محظوظة.. وكأن هناك حظ في كُل ذلك العبث!
حكاية "شكيبة" ذات النصف وجه، التي تمنت أن تكسر محارتها، أن تبتسم لها الحياة، وأن تخرج من سجنها الأزلي، وحكاية "رحيمة" الطفلة التي تحولت إلى ذكر، لكي تُساعد أهلها، ولتذهب إلى الدراسة.. تلك الدراسة التي ساعدتها أن تكون كالعصفور، أنه رُبما يُمكنها أن تُحلق.. مهما قصقصوا من أجنحتها.. ولكن سينبت الجناح من جديد لتستطيع الطيران.
الفتاتين واجهوا الخيبات والمرارات والعذاب، الضرب، الظلم، القهر.. ولماذا كُل رجال الأفغان حُقراء بتلك الطريقة؟ لماذا لم يكن هناك ولو ذكراً واحداً يُحاول حتى أن يكون لطيفاً. لماذا كُلهم كريهي الشخصية؟ عديمي المروءة؟ خاليين من أي رحمة بشرية؟
"هذه الحياة صعبة. نفقد آباءنا، إخواننا، أمهاتنا، طيورنا المُغردة وقطعاً من أنفسنا. تجلد السياط ظهوراً بريئة، وينال المجرمون الشرف ويعم القبح كُل شيء."
حاربت الفتاتان لتنال أبسط حقوقهم في الحياة، أن يعيشوا كطيور مُغردة، طوال الحكايتين وأنا أشعر بغصة ما، لأني على علم تام أن النهاية لن تكن سعيدة، أعلم أن تلك المُعاناة مُستمرة، وأن أحلامهم مُهددة بالفشل، لا أحب أن أرى المُستضعفين مُقيدين! ألا يكفيهم ضعفهم؟
لا أحاول أن أظهر في شكل نصير النسوية المُبرر لكل شيء فيها، لأن لدي تحفظات عديدة، ولكن تلك الطيور تستحق أن نقف جانبها بقلوبنا.. تلك اللؤلؤة لا بُد أن تكسر محارتها، يجب عليها أن تعيش.
ختاماً..
هذه رواية مؤلمة وإن كانت لغة الكاتبة لم تُثقل ذلك لحسن الحظ، وإن كانت لديها القدرة على أن تُبكيك دماً وتجرح روحك، وفي أحد المشاهد -مشهد الرجم- وجدت نفسي ذاهلاً، رُبما دامعاً، ولكني مصدوماً.. أي قسوة نقدر عليها نحن البشر؟ أي قسوة نقدر عليها تحت مفاهيم السلطة والواجب والدين والتفرقة وأي شيء لنُبرر أفعالنا الوحشية؟ أن الحياة قاسية، لأن البشر فيها، جعلوها كذلك!
ويجب ألا أنسى أن أشيد بترجمة "إيمان حرزالله" التي أصبحت من المُترجمين المُفضلين بالنسبة لي، وكانت هذه رابع ترجمة أقرأها لها.
يُنصح بها.