"فهكذا هي حال الإنسان: تتسرب منه أيامه ولياليه. يتسرب منه عمره. يتسرب منه وعيه على مدار السنين."
أول ما سيتبادر لذهنك عندما تشاهد الغلاف المبرهج العبثي الذي يجمع بين طبق طائر و"توك توك"، وعنوان الليلة الكبيرة، أن هذه الرواية ستكون عبثية بشكلاً ما، وساخرة بشكلاً ما، ولا أخفيك سراً، العبث والسخرية موجودين بشكل هائل في الرواية، ولكن، كيف يكون هذا العبث منطقياً؟ وكيف نُحلل شخصياته بطريقة أقرب للفلسفة، ولا تبتعد عن الهزل، ولا أناقض نفسي تماماً، فهذه الرواية قادرة على التحدث بلغة شديدة الجدية بأحد الفقرات، ثم يليها سطراً منتهى العبث يجعلك تضحك بلا توقف، ففي روايته الأولى، يطرح "محمد الفولي" شكلاً مُغايراً لكثير من الأشياء، واقعية سحرية؟ فانتازيا؟ رواية فلسفية؟ ساخرة؟ ربما تتعدد الأسماء ولكني أحب أن أُسمي الأمور بمسماها، هذه رواية حشيشية. الحشيش تمام؟
لم أجرب الحشيش في حياتي، قرأت عن آثاره وما يفعله بالعقل، وأدعي أن هذه الرواية هي أقرب لتدخين سيجارة مُعتبرة من الحشيش، وأحياناً يصدمك الكاتب بأفكار تستحق التأمل، فتفوق للحظة وتخرج من شرنقتك وتُحاول إزاحة الدخان من حولك، ليفاجئك في اللحظة التي بعدها أننا نمزح ونسخر ولتستمر مهزلتك الخاصة، فتعود كما كنت، تتابع أحداث الرواية بعقل ليس عقلك، ولكن عندما تنتهي الرواية، تكتشف أنك أصبحت أكثر انتباهاً من قبل، فهذه رواية ساخرة بدون نقاط على حرف السين، وفي أحيان كثيرة كانت النقاط موجودة.
"إن منبت كل آلامنا في الأصل هي الأشياء التي نحبها."
ولو سألتني ما هي أفضل عوامل الرواية، لن أقول لك الطبق الطائر الذي هبط على أرض الموقف، ولا القصر المهجور المسكون، ولا ميسي الذي ظهر على شاشات الطبق الطائر يتحدث بالعربية -إمعاناً في العبث-، ولكن أكثر ما جذبني هو الشخصيات، توليفة من الشخصيات ذات الخلفيات الاجتماعية المختلفة، شخصيات دُهست مراراً وتكراراً سواء من الدنيا أو من البشر أو من الحكومة، شخصيات لم تملك يوماً مصيرها، ولكن حُدفت إليه حدفاً، شخصيات منطقها غريب، ولكن بالنسبة لهم هو صح الصح ومنتهى الكفاءة، هذه الشخصيات أعرفها، شاهدتها، عشت معها، تحدثت معهم كثيراً، وقريب منهم للغاية، فكيف يكون التحدث عنهم بشكل مُغاير؟ بشكل يُحاول ألا يكون فوقي، وألا يكون سطحي، وهذا هو المميز في الرواية، أن الكاتب جعلنا نتفهم أوجاعهم، وآلامهم، وحتى جشعهم وطموحهم وأحلامهم البسيطة، في محاولة لفهم ودراسة تغيرات كثيرة تحدث للإنسان المقهور، والإنسان الذي كل ذنبه أنه فقط أصبح موجوداً في الحياة.
ختاماً..
رواية مُمتعة، خليط مُبهر من الهزل بالجد هو أفضل ما يُعبر عن شخصيات الرواية وأحداثها، أفكار تدعو للتأمل، عندما بدأت الرواية تخيلتها في إطار معين، ولكن تفاجئت بمستوى عمقها على مدار الفصول وتتابعها، السرد وحده كان شديد الجمال، وحكايات الشخصيات المختلفة، بسرد لراو عليم، هدم الحائط الذي يفصل بين القارئ والكتاب مراراً وتكراراً على أدمغتنا، وسخريتها التي تمتد إلى أكثر من الهزل، وواقعيتها شديدة البؤس، فلو جردتها من عوامل العجائبية، لظلت هناك حكاية متآصلة عن الخير والشر بشكل مُغاير، وعن أسئلة كثيرة شائكة لمن يستخدمون الدين والسياسة والنفوذ والأموال من أجل مصالحهم الشخصية.
في بداية الرواية ظل سؤال يلح على ذهني: هو إللي بقرأه ده حقيقي ولا أنا شارب حاجة؟ ليتغير السؤال إلى: دي طلعت ليلة كبيرة فعلاً! أكبر من إللي كنت متوقعه.
لو أحببت أن تجرب الحشيش الحلال، فعليك بتجربة هذه الرواية.