أغنيات للعتمة ـ أيمان حميدان
الرواية كملخص للألم عند النساء
يُعَدّ عنوانُ الروايةِ غالبًا العتبةَ الأولى التي يدخل منها القارئ لعوالم الرواية. لكن عنوان الرواية "أغنيات للعتمة" يعطي انطباعًا أوليًا باحتمالية الدورالمحوري الذي قد يلعبه الغناء في أحداثها، وربما عن قدرته على التأثير سلبًا أو إيجابًا في مسارها. يبدو الغناء هنا في العنوان رمزًا للضوء والحياة، تلك التي تفتقدها الشخصيات النسائية الرئيسية. غيابه، لا سيما في صوت شهيرة، يعكس انكسارها، وليس إلا استعارةً لتراجع قدرة النساء على تغيير مصائرهن في عالم تحكمه قوانين الرجال وصراعاتهم. يمثل الغناء، أو بالأحرى فقدانه، مفتاحًا لفهم المسار المأساوي لحياة النساء في الرواية، حيث تتقاطع حكاياتهن عبر أجيال مختلفة تمتد على مدار أكثر من ثمانين عامًا. من خلال هذا الرمز، تضع الكاتبة إيمان حميدان النساء في مواجهة قهر اجتماعي ونظام ذكوري يحدد مصائرهن، مما يجعل الغناء غائبًا حاضرًا في خلفية الأحداث وخيالها، وكأنه شاهد كان بالإمكان توظيفه دراميا بشكل أكبر.
تبدأ الرواية بشهيرة ذات الأربعة عشر عاما في 1908 وأمها تفركها بالماء والصابون لتحضيرها لزواج مرتب لتكون بديلا لأختها المتوفاة التي ذهبت بعد أن تركت طفلين خلفها يحتاجان سريعا لأم. شهيرة، التي ما زالت طفلة بنفسها، كانت ترى العالم عبر الغناء، الذي يشكّل جزءًا من هويتها وتصورها للحياة. أغنيات للعتمة تبدأ بحكاية شهيرة في البقاع وغربتها الطويلة بعد زواجها. تنتهي الرواية عند أسمهان، ابنة ليلى حفيدة شهيرة، التي تهرب إلى أميركا بعد اختطاف زوجها لابنها، وسط تداعيات الحرب الأهلية اللبنانية. تروي أسمهان الأحداث على شكل رسالة طويلة موجهة إلى صديقتها، وكأنها توثّق بها إرثًا من الألم والمعاناة. هذه الرسالة تمثل خيطًا يربط الحكايات المتشابكة لكل من شهيرة، وابنتها ياسمين، وحفيدتها ليلى، لتتلاقى القصص في تصوير متكرر لمآسي النساء اللبنانيات عبر الزمن. الزمن الذي يصعد لكنّ مصائر النساء فيه تتشابه.
تبدأ حكاية شهيرة منفصلة عن حكايات أمها وكأنها تبدأ من العدم لتشكَل بذرة الرواية السائرة بشكل خطي حيث يبدأ السرد على لسان أسمهان بين 1908 و 1982. تسير حكايات ياسمين ابنة شهيرة ووليلى الحفيدة لتمثل كل حكاية تكرارًا لعشرات الحكايات التي مرت علينا جميعا لنساء نعرفهن أو عشنا معهن أو ربما تشابهت حكاياتهن مع حكايتنا الشخصية. ففي أغنيات للعتمة تبدو كل النساء ضحايا. سواء كن شخصيات رئيسية أو ثانوية كمنى ابنة فايز أو ويدا الصديقة التي يجب أن تصلها الرسالة. كل واحدة منهن لم يكن لها حق الاختيار أو تحديد ملامح حياتها. تختلف المصائر و تتشابه النهايات كمأساة لكن السبب دائما هو الرجل.
تنحاز الرواية بوضوح إلى النساء الضحايا في مواجهة عالم يكون للرجل فيه أشكال متعددة تنحصر معالم هذه الأشكال في الانهزامية, الضعف, الانتهازية وأخيرًا بالعنف، وربما القتل. في البدء كان الجد الأكبر نايف الدالي كمثال للرجل الجاهل العنيد, الذي كان سلاح شهيرة الوحيد ضده الكذب والصمت لتبني حياة متمناه لأولادها ولتضمن لهم تعليما حُرِمتْ هي منه. ثم النموذج المنهزم لزوج ابنتها ياسمين. أما أستاذ الفيزياء يوسف فعليه أن يعطي الصورة النمطية لليساري العربي الذي يصطاد نساءه بالشعارات ويهرب عند التحدي الأول. حتى شخصيات ابناء البطلة الأولى للرواية, أو أبناء شهيرة, استسلمت شخصياتهم لهذه الصورة النمطية السهلة عن الرجل العربي, ففايز الذي بدأت شخصيته بالرواية بشكل إيجابي كفتى صغير بجانب خالته/ أمه البديلة كان على شخصيته أن تتطور ضمن الرؤية المسيطرة في الرواية كسبب من أسباب مأساة ليلى ابنة أخته.
في الجهة الأخرى وحيث الضحايا النساء, تبدو الأجيال النسائية الأربعة مستسلمة, خاضعة جزئيا وغير قادرة على الفعل بشكل حقيقي. فأما محاولات غير ثورية أو عميقة التأثير كمحاولات كشهيرة أو حتى غير راغبة فيه كحفيدتها ليلى. أسمهان وهي صوت الرواية وساردة الحكايا تبدو أيضا ضعيفة رغم صعود الزمن وانحسار السطوة الذكورية. وكأن مأساتها تؤكد أن حرية الاختيار سواء في الدراسة, العمل, أو اختيار شريك الحياة غير كافية في مجتمعات يحكمها الرجال ويضعون قوانينها. لا فائدة من أي محاولات والخلاص الوحيد هو الهروب.
تقوم الرواية على ثنائية الخير والشر, الخير امرأة والشر بالضرورة رجل. كأن هذه الثنائية منفصلة عن أي تأثير خارجي حولها من تأثير التقلبات السياسية, المجتمع أو حتى التأثير المهم للدين. حاولت الرواية في سيرها الخطي الزمني ذكر التغييرات الحاصلة في المنطقة كالحرب العالمية الأولى ومجاعة لبنان الكبرى والحرب العالمية الثانية والتغييرات السياسية في لبنان ووصولا للحرب الأهلية لكن كل هذه الأحداث لا تقدم جديدًا للقارئ غالبا ما ينتظر من أي رواية أبعد من السرد وأعمق من نقل التاريخ كما هو. كان يمكن للرواية أن تعطي للتاريخ أبعادا أخرى بتحليل أو أن تكشف جوانبا قد يكون القارئ غير اللبناني يجهلها وتثير فضوله للبحث والتقصي. كمثال على هذا الإخفاق هو الأشارات المتكررة لجماعة داهش والداهشية وانضمام بعض من أفراد العائلة للحركة والتي كانت فرصة للرواية لأن تخلق عالما مورازيا للنساء بطقوسه وربما خلق مؤثرات إضافية في مصاْئرهن غير الرجال.
تبدو الرواية مخلصة للتصور الاستشراقي للرجل العربي بالصور النمطية التي تُصور الرجل العربي غالبًا كشخص مُتسلط، يعتمد في علاقاته الاجتماعية والعائلية على القهر والاستبداد. الرجل الذي يُمارس سلطته بدون أي مساءلة، وكأنها امتداد لطبيعة بيئته السياسية التي حضرت كما أسلفت سابقا بشكل هامشي.
صدرت الرواية عن دار الساقي في بيروت وهي الرواية الخامسة للبنانية الروائية والباحثة ايمان حميدان. ايمان الحائزة على جائزة كتارا 2015 عن رواية خمسون عاما من الجنة والتي تقوم بتعليم الكتابة الابداعية تركز في كتاباتها على الذاكرة وصوت النساء وهذا كان واضحا في رواية أغنيات للعتمة.
الرواية تبدو مألوفة للقارئ العربي, هذا الألم النسائي نعرفه. هي تدوين غير جديد لحكايات النساء ومعاناتهن في ظل مجتمع ذكوري قاسٍ وكأن القارئ، عندما ينتهي من الرواية، عليه أن يسأل نفسه: ماذا قدمت لي هذه الرواية؟ وإلى متى ستظل صورة النساء العربيات عالقة في دائرة المأساة روائيًا؟ وهل هذه الصورة النمطية هي جواز مرور للجوائز والترجمة للغات أخرى؟ مجرد تساؤلات رافقتني بعد الانتهاء من الرواية. صاحبتُ الألم أثناء القراءة وكنت أعرفه مع النساء الأربعة لكنني كنت أنتظر ما هو أكثر من الألم في رواية صعدت للقائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية.