مراجعة كتاب
حكايات عزيزة
تأليف منير عتيبة.
صادر عن دار نشر: مجموعة بيت الحكمة الثقافية
سنة الإصدار: 2024
95 صفحة (أبجد).
اللغة: العربية الفصحى سردًا وحوارًا.
عن الكاتب: كاتب روائي وقاص وكاتب للأطفال والدراما الإذاعية، تنوع نتاجه الأدبي بين رواية ومجموعات قصصية وقصص قصيرة جدًا، فضلًا عن المقالات والدراسات النقدية والدراما، يشغل منصب مدير مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية، فاز بعدة جوائز منها جائزة اتحاد الكتَّاب.
"ودعت جدران حجرتها بكل الدموع المحبوسة في روحها لسنوات حتى بكت الجدران معها"
خيال خصب لكاتب مختلف ورواية شيقة أنهيتها بجلسة واحدة.
بدأ الكاتب المشهد بالصفحة الأولى مستخدمًا تقنية أدبية؛ لجذب انتباه القارئ في بداية القصة Avant-titre، حيث يحوي المشهد تفاصيل ماهية الرواية، فيجعلنا نتساءل في دهشة وتشويق، من هم الشخصيات الثلاثة اللاتي ظهرن (عزيزة وهدى وعلياء) وما حكايتهن، فهي مصممة لجذب اهتمام القراء حتى يرغبوا في مواصلة القراءة، وهو بالفعل ما حدث في توازن دقيق، حيث عرض شيئًا غامضًا ينذر بالخطر (مرض ووفاة عزيزة).
ثم انتقل للصفحة التالية وهي بداية الأحداث، وتحكي البطلة عزيزة حكاية عمرها السبعين إلى آخر صفحة، ليعيد علينا المشهد بالصفحة الأولى، لينهي ما بدأه في روعة من الكاتب. فالرواية تبدأ وتنتهي بمشهد وفاة عزيزة، وما بينهما يعود بنا الكاتب لحياتها منذ الصغر في حكايات تنبض بالحياة، مع اهتمامه بالتفاصيل تجعله كاتب روائي واقعي، ولكن خلال الرواية تبدأ بالرجوع خطوةً خطوة في حياتها وحتى تعود لمشهد الوفاة.
عزيزة تقف كالطود الراسخ لا تلين ولا تُقهر، البيت يكبر أمام عينيها وذكريات الأفراح والمشا//جرات، تشعر أن الجدران مسكونة بشيء يثير الضغا//ئن والخلا//فات.
على نار هادئة وبلغة بسيطة يمضي الكاتب في نسج الحوادث الصغيرة والتفاصيل الدقيقة، يصور من خلالها استجابة كل فرد من الأسرة لهذه الجدران، كل حسب شخصيته، وكأنه كالبنَّاء يحمل الطوب والرمل لبناء شقة، فقام برص قوالب الطوب وأحكم صلاتها بـ "المونة".
تركيبة الرواية مختلفة وهي مكونة من أربعة فواصل حكايات البيوت، حكايات الحياة والرغبة، حكايات الكائنات، حكايات المر//ض والمو//ت. وتوفر عنصر الوحدة بينها من خلال شخصية عزيزة ثم وحدة الموضوع، فأحداث الرواية في الواقع تنويعات على موضوع الحياة بالريف ومنها:
-مشاكل بيت العائلة وكيف تعاني زوجة الابن مع أهله.
-الميراث وخلافات الأبناء بخصوصه في العائلة الريفية.
-حياة القرى وأكمة النخيل وعفاريت خيال أهل القرية، والتي لا يجرؤ أحد للذهاب إليها في ساعات الظهيرة أو الليل خوفًا من العفاريت التي تسكن النخلة الحمراء، وتتغذى على د//ماء من يمر بجوارها في هذه الأوقات.
-تسمية الأبناء على اسم أصدقاء الآباء (حدث ذلك في "علي")، مثل ما حدث مع أخي في الواقع فقد أسماه والدي على اسم صديقه الذي توفي بح//رب أكتوبر لتحر//ير سيناء.
-العادات في القرى من زواج واحترام الجيران، الطشت النحاسي.
الأعمال السف/لية والأسح/ار (السجادة المسحورة) ضمن حكايات الكائنات.
-الكائنات الحية (قطة تخمش من تك/رهه) ضمن حكايات الكائنات.
الأولياء والتقرب إليهم والذي ينم عن الجهل.
بوضوح اهتم الكاتب بالمكان وجعله أصل الحكايات وبطلًا ضمنيًا بالرواية، وأحسن وصفه، وعبَّر عن حميمية جدران البيت بأفراد العائلة، فيكبر البيت كبناء الشخصية وتطورها، فساعده انتقال البطلة من بيت عائلة إلى شقة إلى منزل مستقل. ومنها جمل "ألقت نظرة على الجدار، شعر أنه يبتسم بها ليطمئنها" وأخرى في " لكن جدران البيت لا تزال غير صديقة، تنظر عزيزة إلى جدران البيت بعدم اطمئنان" وتسأل مرة أخرى "هل هذه الجدران هي التي طردت الجميع؟".
الخط الزمني يدل على مهارة الكاتب فالرجوع بالزمن Flashback كان سلسًا أثناء السرد دون استخدام عناوين رئيسية أو إقحام تواريخ ميلادية، فشعرت مرة باستخدامه عمر عزيزة السبعين ثم الخمسين ثم الثلاثين ثم الصغر، ومرة أخرى بعمر أبنائها.
استخدم الكاتب السرد بصوت الراوي العليم طوال أحداث الرواية، ليعطينا صورة موضوعية محسوسة عن الشخصية ومظهرها وما يحيط بها في العالم الخارجي، وبعد أن يطمئن إلى تثبيت الصورة المحسوسة في أذهاننا ينتقل انتقالاً هينًا إلى عقل البطلة لنطلع على أفكارها بدون تدخل فيه أو تقديم كأن يقول مثلًا ظنت، فكرت، قالت..
الشخصيات لم تحشد حشدًا عشوائيًا في الرواية فبينها من الأسباب والعلاقات المعقدة ما يثري الرواية بالدلالات والمعاني. ولكن أكثر الشخصيات التي أثرت فيَّ هي شخصية نعمات زوجة عمها.
اقتباسات:
- لم تكمل المرحلة الإعدادية، اكتفت بالابتدائية حتى لا تكون أعلى كثيرًا من زوجها الذي لم يلتحق بمدرسة أصلًا.
- تشعر بحنو جدران الشقة عليها، فتحرص على أن تكرمها فتغطي الجدران بالمحارة، تتنفس الجدران راحة، ترسل إلى عزيزة سترًا تشعر به روحها.
- حبيبتي أمل! أحبك حب الشجر للماء. حب جدي للنوم ساعة الظهيرة. حب جدتي نعمات لحمائمها تحدثهن طول الوقت، يستمعن إليها، يطرن، يعدن لها بقطع الحلوى، فتطعمنا إياها.
- تبيع الشاي "الفرط" ليتحول مع الوقت إلى ثعابين ذهبية فوق ذراعيها.
أرى أن الغلاف كان معبرًا عن مضمون الرواية وأعتقد أن ظهور الغلاف بلون أزرق سماوي فاتح كان لون بيت عزيزة في شارع السوق، مما يؤكد أن البطل والشخصية الرئيسية لدى الكاتب هو المكان.
الكاتب لديه حس مرح مميز على الرغم من أنه كان نادرًا بالرواية.
أختتم الكاتب روايته بالرجوع إلى المشهد بالصفحة الأولى لينهي ما بدأه ليجيب عن التساؤل الذي راود القارئ.
كتاب شيق أنهيته بجلسة واحدة وأنصح بقراءته بشدة، وتقييمي له 5/4.8
إلى الملتقى في مراجعة أخرى
محمد الشخيبي
#مسابقة_مكتبة_وهبان
#مسابقات_قراءات_على_نار_هادئة
#اقتباسات_مسابقة_قراءات_على_نار_هادئة