■ أنا امرأةٌ خمسينية الآن، ولكن لم أزل أعاني آثارَ الفقد والذهاب المؤلم القاسي، أحاول قدرَ المستطاع مقاومة النهايات الصامتة، رافضةً المغادرة النهائية القاطعة المفاجئة التي يفرضُها الموت، أحاول تلوينَ حزن الماضي لأذكر منه فقط الفرح.
بدأت الكاتبة العمل بصحبة كتاب وكأنه دلاله على أن الكتب خير رفيق في كل وقت وأزمة كما يتضح أيضا أهمية التعليم والذي كان محط تركيز خلال تتبع سير العمل فكانت البداية بصحبة كتاب في المشفى بجوار والدتها رحمها الله منذ ما يقرب من 30 عام حينما جاء أحدهم بصحبة زوج خالتها لزيارة والدتها ونادها ب "وهيبة" وهو ما استغربته ليتكرر ذكر هذا الاسم يومها على لسانه وبعدها في العزاء فقررت الكاتبة البحث وراء صاحبة الأسم خاصة وانها مجهولة بالكلية لديها ولكن تشاء الأقدار أن توقف رحلة البحث وتشغلها الحياة لتعود بعد اكثر من 30 عام تحمل عزيمتها في قلبها وشغف غريب يدفعها للبحث بلا كلل لا تدري ان كان الغرض إيضاح سيرة راحت طي النسيان ويجب الاعتراف بدورها، أم هي رسالة إعتذار لوالدتها الراحلة، ام دفقة أمل لأبنتها تعينها كلما هاج.متها الحياة، ام رسالة لها هي تعينها على ربط الماضي بالحاضر وكيفية التعامل مع الحياة وفهمها.
حينما بدأت الكاتبة بالبحث عن "وهيبة" إتضح لها أنها جدتها لأمها وهو ما شكل لها مفاجأة كبرى فكيف لا تعلم جدتها وما السر وراء عدم ذكرها ولما يتحاشى الجميع الحديث عنها ويؤثروا ان تظل طي الكتمان لتتفاجأ بسيرة عطرة لسيدة مميزة بالرغم من قلة المصادر المتاحه فقلما تجد من عاش اكثر من 100 عام ليروي لك والذي حتى إن وجد سيكون أثر الزمن عليه كبير وبالتالي لا يذكر شيء مما كان كما انه وبتتبع سيرة الجدة كان لزاما ان تتبع أثر عائلتها "أل حرب" او "حربي" تلك القبيلة التي اتت من الحجاز او اليمن في قول آخر إلى مصر من قرون عديدة كما تباينت الاراء ما بين انهم اتوا هربا من جفاف الصحراء وبين أنهم اتوا مساعدة لاخوانهم هنا للحر.ب ضد الفرنسيين أو للتجارة وفي كل الأحوال كانت مصر وبالتحديد طما مستقرهم في بادئ الأمر لينتشروا بعدها ممتهنين كل من تجارة المواشي والدباغة مُستأثرين بهما.
سنعرف أن وهيبة ولدت عام 1914 وكان لها من التعليم حظا طيبا كما كان الداعم الأساسي لها في ذلك كل من والدها وجدتها وجدها والذي أحببت حكمته جدا حينما قرر مساعدتها للإستمرار في الدراسة ولم يتخذ موقف عن.يف معها واكتملت الرحلة بزواج عجيب بمقاييس عصرها فكان الدافع هو الحب وليس المال لتحمل مسؤلية اسرة مكونة من 6 أطفال لا تفرق بين احد منهم وترحل في سن صغير بعدما تركت اكبر الأثر في نفوس من حولها.
سنعرف خلال الرحلة ما سبب تسمية شارعها في طما بأسم "شارع المدرسات"؟ وكيف تزوجت دون السن الإلزامي للزواج؟ وما قصة عائلتها مع حزب الوفد؟ وما هو دور الباشا ذلك؟ وما قصتها مع الإسعاف؟ ومن هي السيدة الهولندية ومدرستها؟ ومن هما السيدتان مس نتر ومس بنس؟ وما قصة كلية الامريكان بأسيوط؟ وهل حقا تم ق.تل وهيبة عن عمد أم أن الامر قضاء وقدر؟ والعديد من الحكايات والمعلومات الشيقة.
تطرقت الكاتبة ايضا لقضية هامة جدا وهي الإغتراب والسفر فحينما نشعر نحن عند السفر كأننا أسماك غادرت المحيط ولا نستطيع للوطن فراقا نجد ان الأبناء أو الجيل الجديد يراه السبيل والمتنفس الوحيد لهم فالبلاد محدودة الإمكانيات وطموحهم لا حدود له فيقرروا التحليق في سماء الغرب بدلا عن التمسك بتراب الوطن.
كما تحدثت عن تلك المفاهيم البالية التي لا تتغير بالرغم من تطور التكنولوجيا وإدعاء تطور المجتمع ولكن المفاهيم والعقول ثابته جامدة ما زالت تنظر للمرأة كملكية خاصة وإن هي أرادت الرفض أو التحرر كان الثمن هو حياتها كمثال "نيرة" وغيرها من الفتيات في العامين السابقين مثلا.
لم تغفل أيضًا إبراز العن.صرية الضاربة في عمق المجتمع الغربي مهما ادعوا من دعم للحريات وغيرها من الشعارات الرنانة فكانت مواقف ابناءها خير دليل ولكنها أوضحت القدرات الغير محدودة لعزم الجيل الجديد ورغبتهم في الصمود والتحدي مهما كلف الأمر.
كانت هناك معلومات واماكن جديدة بالنسبة لي مثل متحف التعليم ومركز البحوث الجنائية والإجتماعية حول التعليم في بداية القرن وفكرة السفر بالأميال المجانية ونشأة التعليم ومدارس الفتيات وغيرها من المعلومات القيمة.
كما لم تغفل الدور الهام للتكنولوجيا والذي ساعدها جنبا إلى جنب مع الكتب والمراجع بل كان أفيد في بعض النقاط كما اتضح من موقف منشورات الفيسبوك عن المدرسة الهولندية ومدرسة البنات الإنجليزية.
احببت الجانب الإجتماعي في العمل وكيف تحدثت الكاتبة عن مخاوفها في الحياة وعلاقتها بأولادها وعلاقتها بوالدتها سابقا وكيف اننا كما ذكرت غالبا ما ننتهي بنسخ مكررة من امهاتنا رحمهم الله رحمة واسعه. كما احببت المسحه الروحانية في العمل من رضا بقضاء الله مهما كانت الأمور فبالتأكيد هي افضل ما يمكن أن يحدث.
أسم العمل معبر عن فكرته فكما هو تاريخ لسيرة أحبتها الكاتبه وأحببناها معها فهو ايضا يوضح الفكرة من توارث جينات الجدة في العائلة فكلهم وهيبة في صميمهم، وكذا الغلاف جاء معبرا عن رحلة البحث والتقصي المضنية التي قامت بها الكاتبة.
أحببت ملحق الصور جدا فدوما ما تشعرنا صور الأحبة القديمة بالأمان كما أحببت مقتطفات بهاء طاهر في بداية كل فصل وأغنية محمد منير الذي يعشقه جيلنا.
يؤخذ على العمل في رأيي كثرة السرد فيه فكانت الكاتبة تخبرنا بما حدث حرفيا اعلم أن التقصي انهكها وكانت تود ان تبرز مجهودها ومن الممكن أن يفيد غيرها ممن يود ان يكتب في السيرة الذاتيه ان يتبع نفس نهجها ولكنه جعلني اشعر بالتململ غير مرة. كما كانت الكاتبة تعيد طرح اسئلة ومشاعر خاصة مرارا أو فقرات خاصة بتتبع اثر العائلة كان يكفي ذكرها مرة ولن تخل بالمضمون . هذا بالإضافة إلى تعدد الشخصيات المذكورة في العمل والذي قد يصيب بالتشتت في احيان كثيرة.
اخيرا تمنياتي للكاتبة بدوام الصحة والعافية والا يصيبها مكروها في نفسها او أحبتها ابدا.
■ إقتباسات:
• ما الإنسان بلا ماضيه؟ الماضي يحددُ لنا الحاضر ويرسمُ لنا المستقبل، يكاد الماضي أن يكون أهمَّ عنصرٍ محرِّك لحياتنا بكلِّ تفاصيلها.
• لا دفء كدفءِ الأسرة ولا مودَّة كتلك التي تجمعُ دماءً مشتركة تجري في العروق رغم البُعد والاغتراب.
• المرونة خيط رفيع بين التنازل المُخل والتكيف الذكي.
• سيجدُ هذا الجيل طريقَه، مخلفًا كلَّ مخاوفنا وخيباتنا وراءَ ظهره، مَن يدري قد يكونون هم القفزةَ التالية لنا في التاريخ.