1️⃣ الموضوع : مراجـعة نقدية
2️⃣ العمل : رواية أنا وهيبة
3️⃣ التصنيف : سيرة ذاتية
4️⃣ الكاتب : فاطمة العوا
5️⃣ الصفحات : 202 Abjjad | أبجد
6️⃣ سنة النشر : 2024 م
7️⃣ الناشر : السراج للنشر والتوزيع
8️⃣ التقييم : ⭐⭐⭐⭐
📚 مقدمة عن أدب السيرة الذاتية:
✍️ يمثل أدب السيرة الذاتية نافذة فريدة على التجارب الإنسانية المتنوعة التي تشكّل ملامح المجتمع المصري، بثراءها وتعقيداتها وذكرياتها ؛ عاكساً حيوات الأفراد ولحظاتهم الشخصية وتجاربهم الفردية ، إلى تجارب جماعية ذات دلالات أعمق ، ففي حين يبدو أنه مجرد توثيق للأحداث ، فإنه يتجاوز السرد التاريخي إلى البحث في الهوية ، والذاكرة ، والصراعات الداخلية.
✍️ أضحى يلعب دورًا جوهريًا في إبراز هموم الفرد المصري ، سواء أكانت تلك همومًا ثقافية أو اجتماعية أو سياسية ، وهو نوع أجاد فيه كتابنا ببراعة ، متقنين المزج بين الصدق الفني ، والتحليل النفسي العميق ، وهنا أجادت الكاتبة ببراعة حينما عكفت على إبراز سيرة جدتها المخفية فأصبحت بمثابة مرآة تعكس تناقضاتها هي شخصياً ، بل ونحن في الجوار ، وتبرز النضال المستمر للتوفيق بين الماضي والحاضر ، وبين التفرد والارتباط بالجماعة .
📚 الغوص في أعماق العمل:
🔸 قبل أيام قليلة نادى منادٍ من هذا المكان ، يا معشر القراء هلموا معنا إلى رحلة شيقة ماتعة ممتعة ، خلافاً لما تألفوه ، وعكساً لما تعرفوه ، نحو عبق الماضي وجمال الذكريات وقصص السيرة الممزوجة بالتحدي والصمود ، والانزلاقات والصعود ، رحلة تقودها امرأة فاقت أقرانها خبرة ودقة وعرضاً وأدباً .
🔸 ركبنا فأبحر الربان بنا إلى نحوٍ سحيق بدأت تعرفنا بنفسها من حيث ما انتهت إليه حياة والدتها الراقدة في المستشفى تعاني من السرطان ، تجاورها على سرير المرافق ، يناديها قريباً عجوزاً "بوهيبة" فتنتبه…! ، فللإسم وقع غريب ،عزمت على تتبعه فأتت الرياح بما لا تشتهي السفن .
🔸 تموت والدتها إثر اشتداد المرض الذي ورثته ومنه تعانى هي الأخرى ، فتأخر البحث والاستقصاء إلى أمد طويل ، حتى شاء القدير بوقته ، فقامت تبحث وتغوص في أعماق الإسم "وهيبة" من هي..؟ وما علاقتها بنا..؟ ما علاقتها بي..؟ ولما ناداني هذا القريب بإسمها ..؟
تساؤلات في سبيلها خاضت الكثير والكثير ، تصعد جبلاً ، تهبط وادياً ، تزور قريباً ، وتسمع غريباً ، ترى عجباً ، وتميل طرباً ؛ من جمال السيرة ، وروعة المسيرة .
🔸 تعد العدة كاملة ، وتبدأ رحلة البحث والاستقصاء عن الجدة "وهيبه" التي أخفاها الزمان ، وشاء الله إلا أن تخرج للعِيان ، خطة مجدولة منظمة نهجتها الكاتبه في سبيل جمع المعلومات المؤكدة والموثقة ، تعددت اللقاءات والحوارات بكل من لهم صلة بصاحبة السيرة ، وكل من تظنه يقدم جديداً حول حياة الفقيدة .
🔸 إلى الآن هذا هو الهدف الرئيسي من العمل ، بيد أن أمواج الذكريات تلاطمت ، واخذتنا إلى أبعاد وشخصيات وآفاق ورؤىً ورسائل شتى ، فالطريق إلى وهيبة فتح العين والقلب على تاريخ كبير … عرفنا البحث على قوم من الجزيرة العربية نزلوا مصراً واستوطنوها ، هم "آل حرب" والتي تنتمي وهيبه إليهم … عرفنا البحث على رجلٍ لم تقف نشأته الصعيدية ، وعاداته الملزمة الخانقة ، شديدة الجمود ، كثيرة الغموض ، من تحقيق رغبة بنيته الصغيرة في التعلم .. بل قام في سبيل ذلك ببذل النفيس حتى عم الخير على الجميع بفضل رؤية عميقة لرجل ملهم …عرفنا البحث على الجد توفيق الذي أحب وهيبه الذي كان ارتباطه بها ذو مغزىً وهدفاً سامياً ، نحو تحقيق المعالي .
🔸تحررت وهيبة من قيود مجتمعها المكبلة والسالبة للحرية ، فظهرت وبانت وتعلمت وكانت لها بصمة عند الجميع ، قامت وزوجها وأهلها في سبيل ذلك جروا بحكمةٍ مفادها " لا تحاول توسيع المكان الضيق بل ابحث عن الرحابه بعيدا" هكذا انتقلوا الى القاهرة خلف شغفهم وأهدافهم فحققوا المراد ، وظهروا بين العباد .
📚 رسائل وإشارات :_
بعد قراءة العمل وقفتُ وتأملت قائلاً لنفسي ماذا جنيت يا توغان من هذه القراءة ، وهل عادت عليك هذه السيرة بفائدة .. واتتني الإجابة فوراً ومن قلب المحيط ، فما زلنا نبحر لو تذكرون ! أيقنت أن العمل يحمل كمَّاً من الرسائل النفسية الرقيقة ، والفلسفة الذاتية العميقة ، التي جاءت قصداً أو عرضاً ، وأهم ذلك ما يلي:
1️⃣ العلم هو سبيل النجاح الأول :
ضربت وهيبه أروع مثال على أن العلم هو سبيل كل نجاح وتقدم ومرونه وسلام ، لا سيما وقد فتحت لك الأبواب ويسرت لك الأسباب .
2️⃣ الصمود يجلب الأمل :
بالطبع فإن وهيبه قد عانت الأمرين في طريقها ، لكنها واصلت وكافحت فنجحت وتم المراد ، الوقت والزمان والمكان والنوع والعادات والتقاليد والأعراف والدين والطبيعة .
3️⃣ التوثيق التاريخي:
البحث في الذكريات ولد أحداثاً كثيرة كانت طي الكتمان أو النسيان ، فلولا هذا البحث لما علمنا شيئا عن مدرسة البنات في أسيوط ، ومن وراء نشأتها وتبيعات ذلك .
4️⃣ العمل كورس تعليمي مجاني:
فإن الكاتبة افرغت على الأوراق ضوابط ولوازم وأساليب وقواعد البحث والكتابة ، لاسيما لو كانت عن المجهول وفي ذلك جُل إفادةٍ للباحثين والكتاب صغاراً وكباراً .
5️⃣ علاقة الأبناء بين الماضي والحاضر:
فقد نوهت مراراً على علاقة الأبناء والآباء ، فالتحرر والثقة والإعتراض الذي نراه اليوم من أبناءنا كنا نقوم به في الماضي ، الأهداف التى نضعها لأنفسنا لا يجب أن نطالب أبنائنا بتحقيقها .
6️⃣الحرية الفردية:
الرواية تناقش بشكل كبير مسألة الحرية الشخصية ، حيث تعكس الشخصية الرئيسية صراعاتها مع القيود الإجتماعية التي تحاول فرض سيطرة معينة على اختيارات الأفراد .
7️⃣ الهوية والانتماء:
الرواية تلقي الضوء على مسألة الهوية والانتماء ، سواء كانت هوية الفرد داخل المجتمع أو الهوية الثقافية والاجتماعية ، كما تطرح تساؤلات حول تأثير المجتمع في تشكيل الهوية.
8️⃣ التقاليد والحداثة:
العمل يشير إلى التناقضات بين التقاليد والحداثة ، وكيف يمكن أن تؤثر القيم التقليدية على حياة الأفراد وتمنعهم من اتخاذ قرارات حرة ، بينما الحداثة تسعى إلى تحرير الفرد من هذه القيود.
9️⃣ الحب والخوف من الفقدان:
العلاقة العاطفية في الرواية تعبر عن الحب كقوة دافعة ولكن أيضًا كمصدر للقلق والخوف من الفقدان ، تتناول الرواية مشاعر الحب بمستويات متعددة من الإخلاص والصراع.
🔟 الصراع الداخلي والخارجي:
الشخصيات في الرواية تعيش صراعات داخلية تنعكس على قراراتها وأفعالها ، بينما تواجه صراعات خارجية مع المجتمع والتقاليد ، يعكس هذا التوتر بين ما يريد الشخص وبين ما يفرضه المجتمع.
📚 التحليل الأدبي والنقدي:
▪️ـ الكتابة بحر فياض تتلاطم أمواجه ، ولا يمكن الوصول إلى أعماقه ، من قلبه تستخرج الدرر ، لكن هل يدرك الكُتاب ذلك ، إدراكاً يوجب عليهم تنقية المستخرج من الشوائب ، وتنزيهه من المعايب ، متسلحين بقوة المعلوم والمجهول .
▪️ـ أما المعلوم فهي سلاح اللغة القوية ، والسرد الممتع ، والحوار المشبع ، والأسلوب الرائق ، والمضمون الفائق ، والعرض المشوق ، والحبك المدقق ، والتصوير المنمق ، والفائدة المرادة ، بكل إجادة ، ثم القيام بخياطة كل ذلك بخيط رفيع ، لا تبصره العينان ، ويصل للقلب ومنه للجَنان .
▪️ـ وأما المجهول فهي الفكرة المستحدثة ، والقصة المغلفة بالقالب الروائي ، والقدرة النفسية ، والقوة المعنوية على إخراجها .. فهل نجد في هذا العمل ما سبق….؟ يتضح ذلك في هذا التحليل النقدي الموجز:
◾ العنوان:
"أنا وهيبة" يعكس الجوهر الشخصي للرواية ، حيث يربط بين الذات (الكاتبة) وجذورها (جدتها وهيبة) ، هذا العنوان يبرز العلاقة المتأصلة والموتدة بين الكاتبة وجدتها ، مما يوفر للقارئ فكرة عن الطابع السيري الذاتي للرواية ، هو عنوان يعكس الصلة العاطفية والبحث العميق في الهوية الشخصية والتاريخ العائلي ، وإن كنت أرجح ألا يكون العنوان في السير الذاتية مباشراً ، كما رواية "موت صغير" للكاتب محمد حسن علوان ، سيرة الشيخ الأكبر بن عربي ، فللأسم وقع رهيب وجذب عجيب .
◾ الغلاف:
الغلاف يحمل رمزية بصرية قوية ؛ لون أخضر عتيق قديم بقدم الزمن ، وصندوق خشبي كبير وآخر صغير عليه صورة وهيبة ، ومجموعة متناثرة من الأوراق ، كل ذلك له دلالات معينة ، تظهر لمن يقرأ العمل ويسبر أغواره ، والحق فهو جميل جدا وجذاب لنظر القارئ ، يساعد في خلق أجواء الرواية ويعزز من فهم القارئ لسياق القصة ، مما يجعله مناسبًا لمحتوى الرواية ، ومعبراً عن المكنون والمضمون ، رغم بساطته إلا أنه راقٍ ، ومميز بحق .
◾ البداية:
بجملة "أهلا يا وهيبة"، التي تسحب القارئ مباشرة إلى عالم الرواية وتثير الفضول لدى الكاتبة ولدينا حول الشخصية المحورية وهيبة هذه البداية تأخذ القارئ والكاتبة قبلنا في رحلة بحثية وسردية تبدأ من سؤال بسيط وتتحول إلى رحلة بحثية واستقصائية عميقة ، جاذباً الانتباه ووضعاً الأساس لرحلة الكشف عن الهوية والتاريخ.
◾ العرض التشويقي:
متسلسل ومرتب ومشوق جداً ، حيث تبدأ الرواية بالبحث في حياة وهيبة ثم تتطور الأحداث بشكل منطقي ، الرحلة البحثية التي تقوم بها الكاتبة يتم تقديمها بأسلوب يجمع بين التوثيق الشخصي والتحليل التاريخي ، مما يعزز من تماسك الرواية وجاذبيتها.
◾ اللغة وقواعد الإملاء:
قوية ورصينة ومتمكنة ، تعكس إلمام الكاتبة بقواعدها والحرص على إخراجها بغير نقائص ، نقلت المشاعر حزناً وفرحاً ، وخوفاً وثقةً ، واطمئناناً وقلقاً ، وعزماً وتوانياً ، وحباً وبغضاً ، بكل حرفية من توصيل هذه المعاني بقليل من المباني ، بسيطة بلا تكلف واضح ، وسلسة بلا خلل فاضح .. بل إنني وجدت منها تدقيقاً وتحقيقاً لرسم وضبط قواعد الإملاء والنحو ، بالإضافة إلى استخدام متقن لعلامات الترقيم .
◾ السرد:
ـ يتسم بالوضوح والتماسك والتسلسل واللغة الفصحى ، حيث يتم تقديم الأحداث والشخصيات بطريقة تجعل القارئ يشعر بالتفاعل مع القصة ، الرواية تتبع تسلسل منطقي في استكشاف حياة وهيبة ، مما يساعد في بناء تجربة قراءة ممتعة وشيقة … يسبق كل فصلٍ اقتباس له مغزىً مقصوداً ، ومعنىً موجوداً ، من درر الكاتب الكبير بهاء طاهر ، فازدانت جمالاً على جمالها.
◾ الحوار:
باللغة العربية العامية الدارجة ، بشكل يعكس البيئة الثقافية والاجتماعية للأشخاص ، مما ساهم في عمق الشخصيات ، وأضفى على الحوارات واقعية حقيقة ، عكست تفاعل القارئ وتأثره بها .
◾الحبكة الروائية:
الحبكة في الرواية جيدة ومتماسكة ولم تخرج عن إطار ما تهدف إليه ، تعتمد على رحلة البحث عن هوية وهيبة واكتشاف تفاصيل حياتها ، تقدم حبكة مشوقة تجمع بين الاستقصاء الشخصي والتاريخي ، مما يجعلها جذابة ومؤثرة للنهاية، رغم أنها متوقعة ، تعكس النجاح في تحقيق هدف الرحلة البحثية ، وتقديم الدروس المستفادة ، واستصحاب الحال على الماضي والعكس.
◾ نقاط القوة:
- التمكن اللغوي والبلاغي شديد الجودة .
- التوثيق الدقيق لكل معلومة وتاريخ وحكاية .
ـ الحبكة الجيدة والمتماسكة بلا توهان ولا خلل .
- تكريس قواعد البحث والاستقصاء والاستفادة منها.
📚 اقتباسات:_
ـ ❞ «ادعوا كما ينبغي أن يكون الدعاء، فإنَّكم تدعون لامرأةٍ ليس مثلها بين النساء نساء» ❝
ـ ❞ يأتي الدعم تاليًا لأيِّ شيء: العقاب، الشك، اللوم، فيفقد معناه، ويزيد مع تأخره إحساسُنا بالضعف والهَشاشة اللذيْن يظلّان رفيقين لدروبنا لا يمحوهما نجاح ولا مركز ❝
ـ ❞ لا دفء كدفءِ الأسرة ولا مودَّة كتلك التي تجمعُ دماءً مشتركة تجري في العروق رغم البُعد والاغتراب. ❝
ـ ❞ أيجب أن يكون الشغف مرتبطًا بالحب كي نلتفت له، أو بالخطيئة ليُذكر ويُتحدث عنه ويُخلّد؟ أيجب أن يكون في قلوب اليافعين ليُفهم وليُبهر وليُقدر؟ لو أنَّ الزمن فقط يعود. ❝
ـ ❞ يومًا بعد يوم أتأكدُ أن الماضي وحياة كلٍّ منّا الخاصة تقيِّدنا وتثقل أقدامنا وألسنتنا، ولا نستطيع خروجًا من قوالب الأهل والتربية التي عرفنا وخبرنا من قبل نحن أهل جيّدون، فقط بقدر ما تَسمح لنا به تجاربنا مع أهلنا، وآلامنا وأوجاعنا ❝
#أبجد
#فاطمة_العـــوا
#مراجعة_أنا_وهيبة_وحكايات_نقوش
#مراجعـــــات_محمــــود_توغــــــــــان