قراءة في رواية (بخور الغريبة) للروائي السوري إياد حسن بقلم: أ. باسمة صواف
"الكتابة فعل من أفعال الحرية؛ لأن الكتابة فعل تفكير"، لذا في الحرب أو في الأزمات لا بدّ أن يوثق الكاتب رؤيته لتلك المرحلة، بأسلوبه؛ لأنه يعيش صيرورة التغيير.
الروائي إياد حسن جعل من روايته فعلا تناول الأحداث من خلال تجربته الشخصية وتجربة الآخرين، وكانت له رؤية خاصة بدأها بوصية إله بعل، وأراد الكاتب أن يؤكد على أن هذه الأرض وجدت ليعم السلام والأمان فيها.
"حطم سيفك وتناول معولك واتبعني لنزرع السلام والمحبة في كبد الأرض" رسالة من إله بعل، 5000 سنة قبل الميلاد أوصى بها أجدادي في أوغاريت.
مملكة أوغاريت التي كانت في سوريا في راس شمرا القريبة من اللاذقية التي تقع على البحر الأبيض المتوسط. وبعل إله الكنعانيين، وكانوا يعتبرونه الاله المحارب.
بدأ الأدب السوري ما بعد عام (2011) يأخذ منحى رواية (الأزمة) أو ما يسمى "أدب المهجر الجديد"، الذي يبحث عن الذات، والهوية، والتأمل ضمن الهواجس النفسية، والصراعات والتناقضات السياسية والاجتماعية والفكرية، من خلال طرح أسئلة ضمنية عن هذه الصراعات والتناقضات.
صدرت الرواية عن دار طباق في رام الله/فلسطين، والتي تتكون من فصلين رئيسيين، وفصل آخر يحمل عنوان (الأخير).
ما يميز (بخور الغريبة) هو البخور الذي ملأ الرواية ابتداء من جمال السرد، والعنوان، وعمق الصور البلاغية، والرؤية العميقة مشكلا بذلك بخورا خاصا به ببصمة تنمّ عن قوة الحضور بعمله الروائي الأول.
العنوان:
يقول جيرار جينيت: من وظائف العنوان الوظيفة الايحائية، تجعل العنوان ذا أهمية كبيرة موازية للنص.
تتميز الرواية بجاذبية العنوان حيث أضيفت كلمة بخور إلى "الغريبة"، أخذ البخور دلالته في الأديان السماوية، في الديانة المسيحية رمز لصعود صلوات المؤمنين إلى السماء، وفي الإسلام يستخدم في تطهير الكعبة.
أما بخور بهجة الغريبة فقد تحدثت عن بخورها الخاص حينما قالت: "ربما أكون بخور الحياة الذي ينتشل روحه من أوساخ الأرض، وجرم البشر إلى طهارة السماء ورفعة الملائكة".
الغلاف:
جاء في غلاف الرواية صورة امرأة بملامح غير واضحة بخيوط سوداء متشابكة تشير إلى تعدد الشخصية الأنثى تاركة خلفها لونا أبيض، وهنا اعتمد الروائي على ثنائية الدلالة في اللونين: الأبيض والأسود ما يعني الصراع.
المعنى وتشكيل المضمون الروائي:
يتكئ الكاتب في روايته بخور الغريبة على إظهار المشاعر المتناقضة في شخصية بهجة العمر وشخصية عمران، وسعدو، في الفصل الأول، وعلى رحلة الهجرة غير الشرعية في الفصل الثاني، أما الفصل (الأخير) فهي صورة تقريبية عن انقشاع الصورة الضبابية، والخروج من عنق التيه إلى الحقيقة.
لذا يأخذنا الكاتب في سرديته في تفاصيل كثيرة مستخدما الوصف؛ لإظهار الأبعاد النفسية لشخوصه، ووعيها بالأحداث التي تدور حولها، ودورها في المقاومة؛ لتحقيق الذات والحفاظ على هويتها وكرامتها في خضم التناقضات المنفلتة التي أصابت الوطن الأم، والهروب خارجه للحفاظ على ما تبقى من كرامة الذات.
والهروب هنا لا يعني الجبن بمفهومه البديهي، إنما هو الخلاص من حالة مؤقتة فيها نزاعات ضبابية، وغسل للروح، وتطهير لدمامل وتقرحات أصابتها.
جاءت الرواية بصوت (أنثى) شخصية بهجة العمر، التي شكلت خطابا حول المرأة وما يعيشه السوري في الوقت الحاضر عبر تجربتها مع أسرتها، وفي بيت زوجها عمران، ورحلتها غير المشروعة للوصول إلى النمسا، من خلال تطور الشخصية ووعيها، حيث استطاع الكاتب من خلالها ومن خلال شخوصه إيصال الحرقة والمعاناة (التجربة الأليمة) التي يعانيها السوري بسبب الأحداث الأخيرة فيها.
أبدع الكاتب في عملية الاندماج الروحي مع شخصية بهجة العمر لنشعر بأن السارد ليس الكاتب، وهذا يدل على مدى معرفة الكاتب بالشخصية (الأنثى) والتغلغل بتفاصيلها.
أخذنا الكاتب بدهشة السرد وجماله وتخييله إلى محطات كثيرة لامست الواقع، فهو بذا "يمتلك الوعي الأدبي"، وإن جاء السرد في الفصل الأول متشظيا، من خلال "اللا اندماج الزمني" ظهر خلال الانتقال من حدث إلى حدث بين الماضي والحاضر في الصفحة الواحدة، ما أدى إلى تداخل الأصوات في البناء السردي، مع توازن خط سير السرد ما أظهر الصراعات الاجتماعية والسياسية والفكرية بتناقضاتها ومتغيرات الواقع، مستخدما الاسترجاع والاستباق والحذف، حيث نجد الأحداث ما قبل الأحداث الأخيرة بفترة قصيرة، أحداث خاصة بشخصية بهجة العمر وعمران وسعدو وما يتعلق بهم من شخوص وأحداث، مسقطا الحياة بتفاصيلها ما قبل فترة الانقلاب في الفصل الأول، أما الثاني فقد تحدث عن رحلة الخروج من الوطن غير الشرعية خاتما الفصل الأول بقول بهجة العمر: "آه يا بلادي ماذا فعلنا بك؟ سيكتب التاريخ عن مدن بأكملها خرّبها أبناؤها عن سابق حقد. لا أسف على الحجر. ما حال البشر؟ سمعت ذات مرة أننا خرجنا من التاريخ منذ زمن بعيد والآن نخرج من حيزنا الجغرافي" ص65
الشخصيات ودلالة الحدث:
اعتمد الكاتب على شخصيات ثلاثة، كل منها مثل شريحة معينة من المجتمع، عمران المساند للنظام، سعدو مع المعارضين، أما بهجة العمر فقد مثلت الشريحة التي ضاعت بين الاثنين والتي هاجرت لتخرج من دائرة المنافسة والحرب.
أما شخصية "بهجة العمر" التي تحول اسمها أثناء الهجرة الى "أم شاطوف" فقد جاء السرد بصوتها، تروي تناقضات حياتها وشخصيتها وهي في بيت أهلها، وإصابة أمها برصاصة أودت بحياتها، وزاوجها من عمران، ونظرة بيت آل العزّ إليها واعتبارها غريبة، ورحلة عذابها أثناء البحث عن أهلها الذين هاجروا من قريتهم بسبب الأحداث، وعملية الاعتقال التي تعرضت لها من جانب سعدو والانتقام منها بسبب عدم موافقتها على الزواج منه واتهامها بالخيانة وتعاملها مع النظام، وبعد تمكنها من الهروب هي ومن معها ووصولها إلى أهلها تبدأ رحلة الهجرة إلى أوروبا.
مصورا لنا الكاتب أهم التغييرات النفسية والجسدية التي حلّت بها، وعملية الوعي التي رافقت الشخصية، ما أثر على إرادتها وقوتها، وقدرتها على مواجه المخاطر، ومساعدتها لأبناء شعبها من أجل عبورهم عبر الأراضي التركية والهنغارية ومن ثم النمسا وصولا إلى الإمساك بها في النمسا وإعطائها الإقامة، وباحثة عن أخيها الصغير الذي ضاع منها خلال رحلة العبور إلى أوروبا وتخلي أبو عزرائيل عن الجماعات التي وعدها بالعبور، وكانت هي السند لهم بعدما تركت أنوثتها وهربت مشكلة بذلك شخصية رجل يقاوم الطبيعة، والغابة، وحرس الحدود.
شخصية بهجة العمر امتازت بالتقلبات المرتبطة بالواقع وإرهاصاته ومراراته، لتدخل الشخصية فيما يسمى "بالانسحاق الذاتي" بسردية تظهر التناقضات النفسية التي مرت بها تبعا للحوادث التي عايشتها، لتتكشف للمتلقي أفكارها ودواخلها بأسلوب شيّق وبطريقة واعية تشير إلى عمق الكاتب في بناء الشخصية، على الرغم من شعورنا أحيانا من خلال الأحداث بأن الشخصية بدأت تعرف مسارها وحدها دون تدخل من الكاتب، لتنهي الصراع الذاتي وتخرج لتبدأ حياة جديدة بعد عملية ترميم نفسي وجسدي لها. "أنا هنا بعثت من جديد، من حق أقدامي أن تطأ كل بقاع المعمورة يابسة ماء. أنا ابنة الصحاري والغابات والجبال، أنا سليلة قبيلة النساء منذ خلق حواء" ص148
أما عمران الذي امتد عبر التاريخ بشخصية طلعت مات والده أثناء الحكم العثماني من أجل الدفاع عن حقهم في لواء إسكندرونة ليكبر طلعت ويلتحق بالحامية المتجهة نحو فلسطين، حيث استشهد بطلقات نارية في راس العين شمال القدس "هذه المرة كانت الثمرة لم تنضج بعد ونالتني طلقات غدر ثلاثة في راس العين شمالي القدس أودت بحياتي. بقيت جثتي هناك على التلال حتى نمت فوقها مساكب الزعتر" ص43، وبعد عشرين عاما عادت روحه في جسد أولاد آل العز كما يقول.
هذا التداخل الزمني التاريخي الممتد من الإسكندرونة إلى فلسطين، وإلى اللاذقية في سوريا ما هي إلا إشارة من الكاتب إلى التعالق المكاني والتاريخي، والهم المشترك بين الشعوب العربية.
وعمران الذي أحب بهجة العمر وتخلى عنها لاتهام أهله لها بالخيانة، وتركها وحيدة تكمل الطريق وحدها ما هو إلا ايحاءات وترميز لحالة عاشها الوطن؛ ليغرق وحيدا في مستنقع الصراع. "متى سترجع لتأخذني بعد انتهاء الزيارة؟ اسمعي يا بهجة انا لن أرجع لآخذك أنت من بعد هذه اللحظة لست على ذمتي أنت طالق طالق طالق.. تغرب سيارة عمران، تلف خلفها غيمة من غبار المجهول، كسيارة موتى لفظت نزلاءها بقرف" ص52
أما شخصية سعدو كما قالت عنه بهجة العمر:" إنه سعدو الذي رسمته أمه كخطيب لي منذ ولادتي لقد تغير كثيرا سعدو الفلتان أصبح بني آدم ويحمل بندقية على حاجز تفتيش.. عندما أخذني عمران إلى اللاذقية عروسا له كان سعدو موقوفا في سجن الناحية بتهمة سرقة الدراجات النارية"ص53
وهنا تظهر قوة المفارقة للكاتب والإشارة الى المعطى الواقعي الذي آل اليه الوطن، ومحاكاة "التمثلات الثقافية" السائدة. سعدو المتحول من سارق الدراجات إلى مقاتل مع المعارضين، ومن ثم إلى أبو عزرائيل الذي يستغل المهاجرين بأخذ أموالهم وتركهم في منتصف الطريق فقد أصبح مكشوفا.
رواية (بخور الغريبة) للروائي إياد حسن، رواية تحمل الهم الإنساني الممتد عبر التاريخ، رواية موضوعية انتصر فيها الكاتب للوطن، ولجرح المرأة وما عانته من ذلّ وعذاب وقهر لفكر لا يشبه المكان ولا الزمان، رواية تعتمد على كثافة الدلالة، والبعد النفسي والفكري، رواية تكشف تناقضات الصراع والمتغيرات الاجتماعية والسياسية والفكرية، هي رواية تخاطب الذات الإنسان وتنتصر له ولكرامته، والتحام الذاكرة بالمكان والتاريخ، "هي جزء من بنية الكاتب السيكولوجية والمعرفية وتجربته وخياله، وجانب أصيل من هويته"، بلغة عذبة، عميقة في دلالاتها، شاعرية أحيانا، ومبهرة في التشبيهات والصور البلاغية، وعرض الأحداث مستخدما التداعي الحر.