مولتينج > مراجعات رواية مولتينج > مراجعة Fedaa El Rasole

مولتينج - أيمن القاضي
تحميل الكتاب

مولتينج

تأليف (تأليف) 4.3
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
4

بداية ضبابية مُثيرة، يحكي فيها الراوي عن مشهدٍ مُلغِز رآه أثناء سيره بالشارع، فقد كان الكلبُ مُنهمكاً علي شيء وآخذ في تمزيقه بأسنانه الحادة ويفعل ذلك بمُنتهي الشَرَه والانسجام، حاول الراوي إبعاد الكلب عن لُعبته، وانتبه سريعاً أنُه جسد آدمي، بقايا إنسان حاول أن يقترب ليتبين ملامحه، لكنه ارتد سريعاً للخلف بعد أن رأي الراوي بقايا وجهه هو المُتآكل.

للأحلام مفعول الواقع، لها نفس حظوة النفس ومرارتها إن كانت الرؤيا حُلوَة أو قبيحة، لكن بعض الأحلام من شدة كآبتها تترك في نفوسنا الأثر الكبير الذي لا يُنسي، ويظل في خزانات الذكري وكأنه حدث بالفعل.

طار النوْم من عيون الراوي بعد مُداهمة الرؤيا له، انقبض صدره وتآكلت أنفاسه ما جعل عودته للنوم أمراً بالغ الصعوبة، وعودته لنفسه أصعب، انتهت افتتاحية الرواية ومقطعها الأول بألغاز لن يُفهم مغزاها إلا بتتبُع ما سيُحكيٰ تالياً.

يُعهَد بالرواية دائماً للشخص العالم بتفاصيل الحكاية والمُلِم بجوانبها ودهاليزها، لكن في الحكاية المُتعددة الأركان لا ضير أن تتعدد أصوات الرواة كُلٌ بحسب موقعه من القصة.

للقدر تصاريف وترتيبات تضعُنا في كثير من الأحيان في طُرُق آخرين سيكونون أصحاب أثر في حكايتنا، رُبما هذا ما وضع هارون في طريق الدكتور وجعل الطبيب يستشف الكثير من وجه هارون وتصرفاته وأفعال الآخرين معه، كونك طبيباً نفسياً يجعل مهارة قراءة الناس عن طريق حركاتهم وسكناتهم فعّالة عندك طوال الوقت.

تنبأ الطبيب بالكثير عن هارون لكن لم يكن هُناك بينهم ما يسمح لمُبادلة هذا الكثير او التحقق منه، لكنه كان مُختلفاً عن الجميع وإن كان للعاديون حكايات وضعتهم في مربع العاديين، فإنه بالطبع هُناك حكاية أيضاً وضعت هارون في حيّز الاختلاف عنهم.

حاول الدكتور أن يقترب من هارون، كانت محاولة ناجحة لكنها لحظيّة، اختفي بعدها الاخر أياماً لا يعلم عنه أحد شيئاً ثُم عاد بعدها ليتمسّك بمضمار الحكيّ وتبدأ الحكاية.

بَنَي الكاتب شخصية هارون بإجادة تامّة، تعهد له في البداية ببيئة طفولية مثالية سُرعان ما اكتشف زيفها حينما احتك بالواقع في أول آلامه وأشُدها، كانت مُصيبته الأولي في الحُب، عاش مع عاطفته نقاءًا أنساه أن للواقع قوانين وأعراف لا تعترف بالعواطف ولا تتماهي معها دون إعمال العقل.

عصف وجود "رحيل" بقلبه فغلب حُبها علي نفسه وباءت كل محاولات بُعده عنها بالفشل فآثر الانزواء إلي مُراد القلب وليكُن ما يكون، تكالبت شياطين الإنس ومردته علي هارون المسكين، ترصّدوا له ولحبيبته فأُشيع الخبر في أرجاء القرية أن الشيخ هارون المُسلم ترك بني دينه وحاول إغواء رحيل الفتاة المسيحية.

زادوا من الافتراء والكذب، أدموا قلوب أحِبة صافية لم تعرف للبغي طريق، ولم تقترف علي شاطئ الحب آثام تُؤرق القلب، كان لابُد من الفراق وإلا انزلقت الأمور إلي أكبر من ذلك بين الطائفتين، وهارون ورحيل في أشد عذاباتهما الذاتية من أهلهما وذويهما ، كان كُلٌ منهم يُدرك أنه مرمي بجُرم آثم وغير صحيح، لكنّ الواقع كان أكبر من أي تحدي أو مواجهة.

كانت تلك أولي مواجهات هارون مع القدر، لم يتحمل قلبه الشاب الفتيّ أن يُبتلي بأحب الناس إليه، فلم يكتفي بهجر بلدته، بل ردّ علي شيخه مسبحته وبشارته ونزع عنه رداء المشيخه الذي ألبسه الشيخ إياه، وغادر إلي القاهرة.

تختلف الجلسة الثانية لهارون عن الأولي، تغيّر المكان وأدواته، غادر أشخاص وحلّ مكانهم أشخاص آخرون بعادات أُخري، الحكاية الأولي كانت درامية وصعبة،

الحكاية الثانية دخل هارون عالم المدينة وانفتح اكثر علي كيفية معايشتها والتعامل مع أهلها وتناول صعوبتها بطريقة كانت أحياناً ساخرة كوميدية متماشية مع شخصية هارون وكسرت لوقتٍ طويل قتامة أحداث الحكاية الأولي.

عُيّن هارون مُراجعاً لُغوياً في إحدي دور النشر، وبالدخول إلي هذا الحيّز فقد انفتح مع حكاياته التي رواها الكاتب علي مجتمع النشر وعِلَلِه الكبيرة، كالوسائط والمُجاملات والمصالح الخفيّة التي تحدث لصالح الكُتّاب الكِبار، والتي تصل حدّ الاستكتاب عنهم بالباطن عن طريق شباب واعد موهوب كُتب عليه أن يظل متوارياً في الظل وإلا أُهمِلَ إلي الأبد ولم يَنظُر إليه أحد.

مُغامرات هارون في هذا الجزء كانت لذيذة، شخصيته وكأنها تحررت بعفويتها وأصبحت تستكشف العالم الجديد الذي ولجته وبرزت به سريعاً دون أيّ مجهودٍ مِنه، لكنّه مع كُل عطيّة يلقاها كان يجد معها من الغرابة والشك ما يجعله يراجع صحتها من عدمه، وإن كان بالفعل جديراً بها أم هي محض مُصادفات بحتة ، طوال الرواية كان هارون بصيراً علي نفسه، يُراجعها دائماً ويتعهدها بالمُصارحة في الخطأ قبل الصواب، وهو ما راقني جداً في شخصيته.

لم يكن الدكتور يُمارس مهنته بكامل تفاصيلها في أولي جلسات هارون، لكنّ صوته كراوٍ بدأ يتداخل في شروحات الحالة النفسية للمريض من حيث ماهيتها وتحليلها وأسباب وصولها لهذا السوء، وتلك كانت جُزئية مهمة وذكية وضّح الكاتب من خلالها الكثير عن أُطُر الشخصيات وتسلسل أحداث القصة والزاوية العاقلة التي تنظُر إليها بحقيقتها.

مُنِحَ الجميع صوتاً للحديث، عن مخاوفهم أو أحلامهم تماشياً مع سياقات القصة وحبكتها، إلا أمين، كان طرفاً حاضراً في روايات الجميع علي حسب موقعه من الحكاية، رُبما لأنه لا أسباب للكُره ولا مُبررات تُكفِّر عنه أو تصفح لصاحبها عن قذارة أفعالة، الكُره نقيض الحُب لكنهما يولدان بفطرة في قلوب الناس بدايةً، حتي يعي الإنسان نفسه ويقرر تغيير النبتة واستبدالها أو سقايتها حتي توغلها واستقرارها في أرض ذاته وقلبه.

نفس هارون من البداية كانت مُتمردة علي كل ما لا ترتضيه، حاول طوال رحلته مُسايرة الواقع لكنه في النهاية اصطدم به وعاداه بعنف شديد وانتقام جمّ، وكأنه يعوّض كل لحظات التماشي والصمت علي كل ما لا يروقه، رد علي مدام غادة غلطها، وعاقب الأستاذ حسين علي تفشيه وشماتته طوال الوقت، وانطلق بعد ذلك في غيّه لا يردعه رادع ولا يحجزه أمل عن الذهاب في طريق لا عودة فيه.

راهنت طوال الوقت علي عودة هارون إلي نفسِه، إلي طبيعته السابقه، إلي حُلة الشيخ التي خلعها عنه في ساعة ابتلاء، لكن أحزنني أيمن القاضي بأن سلك المسار المُغاير تماماً، وكأنه قرر استكمال سلسال إعوجاج طريق هارون في هذه الحياة.

هُناك منطقة مُعينة كانت فيها العودة إلي الذات مُمكنة، يُمكن حتي أن تعود معها ندي وكارما، وأن تبتسم الدُنيا ولو قليلاً في وجه هذا البائس وأن تستقر نفسه وأحواله بالعودة إلي ما كان، رغم أن الكاتب وضع أسباباً وأجواءًا تُنافي تلك الحالمية الطاغية التي أتحدث بها لكنها في ظني كانت ممكنة الحدوث، لكنّ الكاتب تجاوز تلك المنطقة ، وعلمت أن هارون ذاهب إلي حتفه حتماً، وينقُصنا فقط أن نستكمل الرواية لمعرفة الطريقة التي ستودي به.

كتابة جميلة لا أظُن أني أفلتت من إرثها شيئاً غير الحديث عن بسام الذي صمد وحيداً في مواجهة الحقيقة، الحقيقة التي دارت لأجلها كُل تلك الدوائر ووقع أبطالها تحت كُل هذا الكمّ من الظُلم، نجا بسام في الرواية وأهملته كلماتي ليس إنكاراً له ولا استصغاراً لدوره ولكن لأن الحقيقة لم تتبدل ولم تتغير، الحقيقة تُهلكنا جميعاً وتظل باقية مُتسيّدة للواقع مُسيطرة عليه.

رحلة درامية اجتماعية مُعقدة وصعبة، صاغها الكاتب بحرفية وحبك خيوطها بإجادة تامّة وهيء لها من الأجواء ما يجعلها تصلح للدروس والعِبَر، لغة التعبير عن المعاني وتوصيفها في الحب والفقد والغزل والحزن كانت جميلة في إيقاعات متناغمة، وحضور الشيخين"المحمودي وبلال" بأجواء التدين الحقيقي والصوفية الجميلة كان ضرورياً وفارقاً في توقيته بالنسبة للأبطال ولكاتب هذه الكلمات الذي تأثر كثيراً بما قيل علي ألسنتهم من نُصحٍ وحقيقة.

ما لم يغب عني طوال القراءة أن امتدادات الرواية تسمح بتحويلها كعمل تلفزيوني أو سينمائي، دوّامات مُترابطة المناحي مُتعددة الاتجاهات، تُستَمد من الكثير من الوقائع وتتصل بها وتنتمي إليها، أسلوب مثالي مُتناغم مع هيئة القصة ومُعبِر عنها بما يُناسبها دون إخلال أو تقصير، سيناريو مُكتمل لا ينقصه إلا تعيين الأشخاص والبدء في تصويرهم علي هيئات الرواية كما ضبطها الكاتب.

Facebook Twitter Link .
0 يوافقون
اضف تعليق