فيض الخاطر / الجزء الرابع
أحمد أمين
مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
2012
517 صفحة
⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️
في كثير من الاحيان نعتقد أننا نختار ما نصنعه بمحض ارادتنا وأنا إن كنت افعل ذلك في فعل كالقراءة فقد ساق القدر لي عنوان هذا الكتاب فاستملحت الأسم وهالني الحجم وعدد فصوله وتسألت كيف لأحدهم أن يكتب هذا الكم من المقالات وكيف هي حياته وتجاربة ليصيغها في 10 مجلدات وللعجب حينما شرعت في القراءة لم اعتقد أن الأمر سيمر بهذه السلاسة فوجدتني أنهل من بحر معرفة الكاتب وآراءه وتجربته دون أي شعور بالملل وهو شيء قلما نجده في هذه الايام ولعل باعثي على القراءة هو الحاجة لمن اناجيه واخذ منه نصيحة فكانت تجربة رائعة واتمنى ان أكمل ما خط الكاتب في هذه المجلدات العشر.
تنوعت المقالات في محتواها ما بين الاجتماعية والدينية والسياسية وتتجلى بلاغة الكاتب في شتى المقالات فنجده قد اوضح وافصح بلا تقعر او مبالغة في اللفظ هذا مع سعة اطلاعة الشديدة فكان هذا المجلد غيض من فيض أعلم أني سأستعذبه كما حدث هنا.
نجد الكاتب يحكي لنا عن تقلبات الدهر وصروف الزمان ليلخص لنا معنى الحياة في جملة بسيطة "الحياة عرض، ونعيمها وشقاؤها عرض العرض" فعليك كمرتحل ان تتقبل قضاء الله وترى المنحة من جوف المحنه، ثم ينتقل بنا ليحدثنا عن جمال الطير ورقته وعذوبة حضوره وكيف أنه كان المعلم لنا وكيف أننا ادنى منه وكلما تقدمنا كلما توحشنا أكثر. ونجده في حديث آخر يخبرنا أن لكل أوان طريقة في التعامل معه وأن مبعث الشرور كلمة ال"أنا" بينما لو استبدلناها ب "نحن" لسعد الجميع وفي هذا المقال حوار في أسرة استحضرني قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "لا تربوا أبناءكم كما رباكم أباؤكم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم".
لم ينسى الكاتب أن يذكر لنا سيرة عطرة تشحذ الهمم وسط متقلبات الدهر فكان خير اختيار أن اختار سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام الذي على طول عمره وكثرة ما راى من نوائب ما بين سقوط عصر واخر أو غزو تتار وصليبين لم يخشى في الله أحد فكان سببا في بيع الامراء وسداد حقهم في بيت المال كما أصلح بين الاخوة ووحد الصفوف للقتال وغيرها الكثير من المواقف التي تدعوا للفخر والتأسي به.
وهنا نجده يطرح فكرة الفرق بين اخلاقيات الفرد واخلاقيات العالم فما يراه الفرد منا نقمه قد يكون نعمة ولكنها المعايير التي تختلف من فرد لآخر وقصور في علم الغيب لا يتأتى لأحد ان يعلمه، ليثور بعدها على التربية ونظرياتها الخاطئة فيثنا عن اول منادي بإصلاح التعليم ومبتكر لها وهو "علي مبارك" وهذا ضمن قصة جميلة تبين لنا اهمية هذه الثورة وإن كنت لا ارى من ملامحها اليوم شيئا للأسف.
وهنا نجده يأخذنا في رحلة مع اصدقاؤه ليحدثنا في اسباب تقدم وتدهور احوال الامم ولا مانع من نزهة نيلية خلال التحدث وتترة اخرى يجتمعوا لبحث مفهوم الجمال وكيفيته ووجوده، ومنها يسمعنا الطريف من القصص والتي رغم اختلافها الا انها اتحدت في الهدف وهو حث العقل على التفكير وإعماله فلا فائدة من قراءة بلا تدبر او كما قال " قراءة الكتاب وحفظه زيادة نسخة مطبوعة منه، والتفكير نفخ الروح في الصورة، ورد الحياة إلى الميت" ، وهنا نجده يمدح الربيع ويتغنى بجماله فكما قال أبو تمام "كانت الدنيا بغيره معاشاً، فأصبحت به منظراً".
احببت غزارة علمه حينما تحدث عن العلاقة بين المتنبي وسيف الدولة كيف بدأت والى أي مصير انتهت بل ولم يكتف بذلك فاتجه إلى البحث حول فلسفة القوة في شعر التنبي ذلك الشاعر المعتد بنفسه والذي يرى الحياة تحق بالجسورين فقط فلا مجال للخوف فكانت فلسفته نابعة من التجربة والالهام ولشد ما لاقى من عناء. ومنها يحدثنا عن معنى الصداقة واهميتها وكيف تطيب بها الحياة وهنا يحضرني قول الرافعي عن الصداقة "الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل فيها ، وإذا غاب أحسست أن جزءاً منك ليس فيك ، فسائرك يحن إليه ، فإذا أصبح من ماضيك بعد أن كان من حاضرك ، وإذا تحول عنك ليصلك بغير المحدود كما وصلك بالمحدود ، وإذا مات .. يومئذٍ لا تقول : إنه مات لك ميت ، بل مات فيك ميت ؛ ذلك هو الصديق".
من أعذب ما وجدت حديثة عن فارس كنانة "أسامة بن المنقذ" ذلك اني قرأت بعض أشعاره وهمت بها حتى وجدت سيرته امامي وما أعذبها من سيرة تدرس وإن كنت أرى الكاتب شابهه في نهايته فظل يفيض علينا من علمه الغزير حتى اخر ايامه في مؤلفاته الرائعة ولا مانع من البحث وراء الاسم الحقيقي لأحد مؤلفاته وتصحيحها.
ولا مانع طبعا من الخوض في جدال بين العلم والدين وايهما المتسيد هذا وإن كان التدين غريزة فإن العلم يبعث على التشكك والتساؤل في بعض الامور الدينية والتي لابد ان نكفل لها جزء من الغيبية حتى تستقيم الامور بل ويتطرق الكاتب ايضا الى النظر في احوال البلاد السياسية من حرب قائمة وكيف يكون تأثيرها على الدين وعلاقة الفرد بربه هل يؤمن او يكفر . لينتقل بعدها للحديث عن شاعرين وان كانا متقاربين في الجودة الا انهما متناقضين في الشهرة فهذا ابن الشبل البغدادي وهذا ابو العلاء المعري ليقارن الكاتب بينهما بطريقة رائعة . ثم ينتقل بنا للحديث عن صديقه صاحب النزعة الصوفية والمزاج الرمزي وكيف يرى الامور كل منهما .
وفي ست النساء نجد فصاحة اللسان وحسن اختيار التوقيت وفي الخوف نتعلم مجابهته وإعداد العدة للتغلب عليه وفي الأدب الإجتماعي نتعلم الرقي لنحظى بحياة كريمة فلو نظر كل منا للآخر ولاحتياجاته لما وجد الغني الفاحش ولا الفقير المدقع . نرى بعدها جمال الدين الافغاني وحياته وكيف استدعاه السلطان عبد الحميد الثاني وكيف زهد هو في الدنيا حتى كان يلبس الملبس الواحد حتى يبلى فيغيره من كثرة ما تم نفيه ومن اجمل اقواله "صحة البدن وذل السؤال لا يصح أن يجتمعا لإنسان".
نرى كيف كانت الهجرة محببة يوم ان كنا شعب قوي يسافر للتعلم او طلب الرزق او الجهاد اما بعد ان اصبحنا امة تتداعى فلا حاجة للسفر . ويحدثنا عن البساطة في العيش وكيف ان التمدن بمثابة المحارب لهذه البساطة فحتى الادب واللغة اصابتهم عدوى الحضارة والتكلف . ليعود لنا مرة اخرى للحديث عن المدرسة ودورها في إعداد جيل متعلم التعليم الذي يتوافق مع إمكانياته وإحتياجات الدولة.
يحدثنا عن أدب الإبتهال والتضرع وعن محمد رب البيت وكيف اختلفت داره ما بين مكة والمدينة وكيف كان في اهله خير قدوة وخير زوج .
في فصل ثلاث رسائل للمؤلف احببت تتبع أثر الأسواق وتاريخهم وكيف كانت سوق عكاظ والمربد محل اهتمام للجميع وكيف تم استخدامها في نشر الادب والثقافة وغيرها وتطورها في كل من عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر الخلفاء من بعده ثم بني امية والعباسيين . ثم تتبع معنى كلمة الفتوة في الاسلام وكيف تم تاويلها في كل عصر ما بين معنى واخر فمرة معناها الشباب ومرة القوة واخرى الكرم وهكذا كما تتبع حركة الفتوة في تلفكر الصوفي وهل هي حق ام بدعة بما فيها فتوى ابن تيمية حولها.
الكتاب اكثر من رائع احببته وأنصح به واحببت استشهاده بالكثير من ابيات الشعر وطرح قضايا عديدة وايضاح الرأي وضده واحببت أمانة المصدر وتعدد المراجع وغزارتها.
#قراء_الجرد_فيض_الخاطر