نُبذةٌ عن الكِتاب: 🌱
كتاب أشبه بالورقة البحثية، من اسمه "ماجريات" المشتق من "ما جرى"، يُناقش مُعضلة الانخراط في ماجريات الحياة لأبناء الأمّة الإسلامية ولطلاب العلم خاصةً الذين هم في السنّ الذهبي للتحصيل العلمي والمعوّل عليهم في بناء الأمّة وحلّ قضاياها، فيغرق الواحد منهم في معمعة الأخبار وتقصيها ونشرها ومطاردة المهاترات الفكرية دون أن يكون له دورٌ في التغيير، فيُضيّع بذلك وقته الثمين ويُفضي بالمرء إلى الانفصال التدريجي عن روح العمل والتنفيذ والإنتاج، وتدهورت بذلك الشهية العلمية والدعوية وأصبح يستثقل القراءة الجادة، والبحوث الطويلة، والصبر على الدروس ومجالس العلم، ويستملح فقط متابعة الأحداث السياسية والوقائع اليومية.
درس الكاتب هذه الإشكالية من خلال نصوص وتحليلات العلماء، وما كشفته الدراسات المعاصرة لهذه المعضلة، واستعادة الدافعية بمعايشة الخبرات العلمية والتجارب العملية في العصر الحديث.
استعرض الكاتب الحدود الحاكمة لهذه الدراسة ومغزاها، حيث عرج إلى عدّة مداخل قبل الشروع في لُبّ دراسته، فرّق بين فقه الواقع والغرق فيه، المتابعة المتفرجة والمنتجة، المتابعة زمن التحصيل والمتابعة زمن العطاء.
ثمّ استعرض منزلة الماجريات في تصور علماء المسلمين، ثم الماجريات الشبكية والدراسات الحديثة حولها وعلائق طالب العلم بها، وأخيرًا تطرّق إلى المجاريات السياسية من خلال دراسة نماذج علمية وفكرية جادّة ومُنتِجة، فمِن أعظم ما يداوى به أسقام الدافعية والعزيمة معايشة تجارب المنجزين في العلم والثقافة والإصلاح، ومخالطة تفاصيل كدحهم ومكابداتهم، لذلك عرض الكاتب خمسة نماذج عملاقة لشخصيات علمية وفكرية ودعوية من علماء الأمّة الإسلامية، وهم: البشير الإبراهيمي، أبو الحسن الندوي، عبد الوهّاب المسيري، مالك بن نبي، فريد الأنصاري.
في الختام أكّد السكران على عدة تعقيبات وخلاصات تفيد كل شخص مهتم بأن يكون في قلب عملية التغيير، وطرح فكرة الصوم عن الأخبار كأسلوب لزيادة الإنتاج العلمي والعملي، والاستفادة من امتيازات المرحلة الذهبية للتحصيل العلمي للشباب لأن الذاكرة في هذه المرحلة تكون في أسعد لحظات فتوتها. كما أكّد على أهمية الوقت والغيرة على الزمن.
مُلخّص لما جاء في الكتاب: 🌟
>> التمييزات الحاكمة
وضَعَ السكران بعض الأطر المُنظِّمة لحدود المراد والمقصود في دراسته خشية توهّم بعض القرّاء أنّ المراد جزّ الشجرة لا تقليم الغصن النّاشز منها، وذلك عبر توظيف خمسة تمييزات، وهي:
- التمييز بين فقه الواقع والغرق في الواقع:
الكثير يطمح للنهضة بأمّته والقيام بمشروعات علمية وإصلاحية، لكن سيتعذر عليه ذلك البتة دون (فقه الواقع) لذلك فإن علماءنا المؤثرين كانوا في غاية القرب والتّماس من الناس ومعرفة نمط تفكيرهم فأثمرت جهودهم. إذًا القضيةُ ليست قضية معرفة ما يجري ويحصل في الواقع، فثمّةَ من اقتنع بضرورة (فقه الواقع) في العلم والإصلاح، حتى تحوّل لا شعوريًّا إلى الغطس في الماجَرَيات والانغماس في دوّامة الأحداث حتّى تجاوز الحد المطلوب، فخرج عن (فقه الواقع) إلى (الغرق في وحل الواقع)، وهذه الدراسة تناقش هذا القدر الزائد.
- التمييز بين المُتابعة المُتفرِّجة والمتابعة المُنتِجة:
ثمّة من يتابع الواقع الفكري والسياسي ولكن لا تتمخض متابعتهم عن إنتاج لا كمًّا ولا كيفًا، بل يتحوّل لكائن مُتفرّج مراقب، في مدرجات الجماهير السلبية فهذه هي (المتابعة المتفرّجة) والتي كانت جزءًا من عيّنات البحث في هذه الدراسة.
- التمييز بين المُتابعة زمن التحصيل والمُتابعة زمن العطاء:
متابعة الواقع هو عملٌ يتفاوت قدره بحسب المرحلة العمرية أو -بشكل أدقّ- بحسب المرحلة الدعوية والإصلاحية للمُتابع، فالشاب الذي في السنوات الذهبية للتحصيل العلمي يُفترض أن يكون انكبابه وتركيزه الأساس على التحصيل العلمي والتزكية الإيمانية، وأمّا فضول وقته فيطّلع فيه على مجملات الواقع دون الخوض في تفاصيله. فإذا تجاوز المرء مرحلة التحصيل العلمي وبدأت مرحلة العطاء والنّشر فيزيد من قدر المُتابعة بما يُحقق أغراضه اتجاهًا وكمًّا وكَيفًا. والشطر الأكبر من الدراسة موجّه للشباب في المرحلة الذهبية للتحصيل العلمي.
- التمييز بين توظيف الآلة والارتهان للآلة:
كثيرٌ ممن دخل قطاع النّشر بمقصدٍ نبيل في نشر الأمور النّافعة للناس في دينهم ودنياهم، لكن سرعان ما تحوّلوا من مُنتجين يوظّفون الآلة إلى مُستتبَعين تخرطهم الآلة في ماجَرَياتها، ومُستهلِكين لأدنى ما تُنتجه هذه الشبكات من المهاترات الفكرية، وفي هذه الدراسة يُسلّط السكران الضوء على الصنف الثاني وهو الارتهان للآلة والاستتباع لها وضمور نفسية البدايات المُنتجة.
- التمييز بين فصل السياسة ومرتبة السياسة:
هناك طريقين مُتفرّقين، هما طريق فصل السياسة عن الدين، وطريق وصل السياسة بالدين، فأما الطريق الثاني فيتفرّع إلى ثلاثة دروب فرعية: السلطنة والتعميم والتخصص، بما يعني أن حصيلة هذا التمييز ينتج لنا أربعة مواقف: العلمنة والسلطنة والتعميم والتخصص. اتجاه العلمنة يعني فصل السياسة عن الأحكام الشرعية وهو اتجاه منحرف. وأمّا اتجاه التعميم فهو يرى أن السياسة من صميم الدين ويدعو إلى مُطالبة العلماء والمصلحين لترك ما بأيديهم والاشتغال بالعمل السياسي والإصلاحي، ويميل هذا الاتجاه للانهماك في متابعة الماجَرَيات. وأمّا اتجاه السلطنة فقد ظهر في المجتمع المسلم كرد فعل تجاوزي على اتجاه التعميم، حيث يقر أصحاب هذا الاتجاه أن السياسة من الدين ومن صميم الشريعة ولكن يرون أن الاشتغال بها حق حصري للمستبد وأنه هو المتفرّد بمعرفة المصالح. وكل هذه الاتجاهات الثلاثاء مُخالفة للمنهج الشرعي الصحيح في فهم الإسلام، والصواب في منزلة السياسة أنها تخصص مطلوب لا يتصدى لها إلا ذو الأهلية، ونميّز بين الاطلاع الاجمالي والتفصيلي، فالمتخصصون ينبغي لهم استيعاب تفاصيلها والابداع فيها، وغير المتخصص فَيكفيه معرفة مجملات الواقع السياسي. وفي هذا الدراسة لا يناقش السكران موقف العلمنة ولا السلطنة.
>> الفصل الأول: موقع الماجريات
تحدث عن موقع الماجريات حيث قام بتعريف هذا المصطلح في اللغة ومن هم الماجرياتيين وبواعث الماجريات وبيّن منزلتها في القرآن وفي نصوص العلماء والفقهاء.
- كلمة (الماجَرَيات) كلمة مركبة (الـ + ما (الموصولة) + جرى + ات) وتعني كما عرّفها علماء السلوك الإسلامي اشتغال المسلم بالأخبار التي لا نفع فيها.
- الماجَرَياتيّون هم الأشخاص الذين اذا اجتمعتَ بهم أخذوا يحدثونك عن الماجريات والأخبار والأحداث التي لا تنفع، ويعتبر هذا من خلو البركة، كما قال ابن القيم: "فإن بركة الرجل تعليمه للخير حيث حلّ، ونصحه لكل من اجتمع به، قال الله إخبارًا عن المسيح ﴿وَجَعَلَني مُبارَكًا أَينَ ما كُنتُ ..﴾، ومن خلا من هذا فقد خلا من البركة، ومحقت بركة لقائه، فإنه يضيع الوقت في الماجَرَيات ويفسد القلب"
وأكّد الكاتب على أنه من الخسارة أن يتم إحراق طاقة التفكير في الماجريات وأحوال الناس، واستشهد بذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وعدة أقوال لعلماء وأئمة المسلمين.
>> الفصل الثاني: الماجريات الشّبكيّة
عرض الكاتب مشكلة إدمان الماجريات الشبكية وبعض الدراسات الأجنبية حيالها. ثم عرض بعض المظاهر الآتية:
- إدمان التواصل الشبكي (SNS addiction): إدمان المحتوى ذاته من شبكات التواصل الاجتماعي وغرف الدردشة وألعاب الفيديو والمواد الإباحية ونحوها، وهو أكثر المحتويات الشبكية قدرة على اصطياد الشرائح الجادّة المشغولة بالعلم والإصلاح.
- التّصفح القسري: وهو تصفح الشبكة في أثناء العمل و الوقت الجاد و قد اختلف في مسببها على أنها عادة أم إدمان مشيراً إلى أن الفرق بينهما هو صفة "القهرية" فالعادة يمكن التحكم فيها أمّا الإدمان فقد يتحوّل إلى سلوك قهري.
- الأعراض الإنسحابية: وهي حالة تصيب الجسم عند التوقف المفاجئ عن المواد التي أدمن عليها، وهذه الأعراض المصحابة مثل التوتر والقلق والانزعاج ومن الطريف أن عينات الدراسة التي تم تشخيصها بأنها مدمنة على الانترنت إدمانًا سلوكيًّا ظهر عليها أيضًا هذه الأعراض الانسحابية كالغضب والقلق والانزعاج.
- إغراء أم مهرب؟ هنا أكد الكاتب على أن الإدمان الشبكي ليس بفعل جاذبية المحتوى بل هو في الغالب آلية هروب نفسي للفرار من تعقيدات المهام والمطالب العلمية والعملية ولتحاشي المشكلات الحقيقية والمتخيلة. وطرح مثالاً تأكيدًا على ما تم ذكره أن الطالب يزيد تصفحه للإنترنت في أوقات ضغط المهام، كأوقات الاختبارات الدراسية أو في أوقات العبادة الجادّة في رمضان ونحو ذلك.
- التصفح الملثم: وهي حالة إخفاء الوقت الحقيقي الذي مكثه في استعمال الإنترنت، وإظهار أنه وقت قليل وعابر.
- العمى الزمني: وهي فقد الإحساس بالزمن أثناء الاتصال بالشبكة، وهي ظاهرة يعانيها إلى درجة ما كل مستخدمي الإنترنت تقريبًا.
- مدمنو البيانات (Dataholics): وهو كل من أصيب بالشراهة في مطاردة و جمع المعلومات في الشبكة.
- لحظات التسلل: رصد الكاتب ثلاث حالات للفضول الشبكي، وهي: حالة ضغط المهام، وحالة الاسترخاء بين المهام، وحالة استفتاح العمل. وأخطر لحظات التسلل الشبكي حين تتهدج التسابيح وينجمع الهم على الإخبات والاستكانة لرب العالمين، ويلتفت إلى شاشات الفضول، فيتبلبل القلب ويتشعث الهم.
في نهاية هذا الفصل أكّد الكاتب على"التوازن" في معاملة نظم الاتصالات مطلوب وإيلاء هذه المشكلة حقها من العناية، وأن لا تقودنا مشاهدة النظراء إلى التساكت المتبادل وتجاهل المعضلة، ولا بد من إعادة تنظيم العلاقة لتكون "متابعة منتجة" ومتناسبة مع القدر المطلوب فلا تطغى على مهامنا الأخرى ولا تبعثر جمعية قلوبنا على الله.
>> الفصل الثالث: الماجريات السياسية
-قيد المراجعة-
>> حصائل وتعقيبات:
في الختام أكّد الكاتب على عدة تعقيبات وخلاصات تفيد كل شخص مهتم بأن يكون في قلب عملية التغيير الاجتماعي والإصلاح منها:
-الاستنامة للواقع: أي الاستسلام والدوران في تروس الماجريات الفكرية والسياسية وهذا بدوره يزيح المرء عن الجهود الجادة والمنظمة في المعرفة والإيمان والإصلاح.
-فكرة الصوم عن الأخبار
-امتيازات الفتوة العلمية: يؤكد على المرحلة الذهبية (مرحلة الشباب) في العمر وأهميتها في التحصيل العلمي.
-الغيرة على الزمن والزمن كأنفاس: وقد أكّد على أهمية الزمن وقيمة الوقت واستشعار أهميته.
- لقياس إلى فضول العلم
-مصارف طاقة التفكير
وأكد بالنهاية أن المسألة أولاً وآخر مسألة توازن ولا شيء أكثر حزناً من أن يتوّهم الماجرياتي أنه في قلب عملية التغيير وفقه الواقع وهو مجرد مراقب ومتفرّج لا غير ..
الرّأي الشخصي:🌷
كتابٌ قيّمٌ جدًّا، ومهم لكل طالب علم، تشعر بحرقة الكاتب تجاه ضعف عزائم طلاب العلم بسبب خوضهم في الماجريات، كتاب يستنهِض من همّتك لتنهل من فيض العلوم أكثر فأكثر، تميّز الكاتب بعمق الفكرة والطّرح حيث تناول الموضوع بدقة وموضوعية واستشهد بعدة دراسات ومصادر مما أسفر عن سعة اطلاعه بالمُعضلة وثقافته الواسعة، استفاض الكاتب بشكل كبير في عرض كل شخصية في الفصل الثالث حتى أنه أخرجني مرارًا عن موضوع الكتاب ومغزاه الرئيسي، وشعرتُ بالملل تارة أخرى، لو أنه اقتصر على أهم المهم في حياة كل شخصية ودلف مباشرة إلى أفكارهم ورؤاهم لكانت الفكرة أيسر للفهم وأبعد عن الإرباك الذي حصل لي أثناء قراءتي، لكن لربّما كان للسكران مغزى من ذلك..
خرجتُ من الكتاب بقائمة كتب جديدة للقراءة! وبكلمات جديدة أيضًا.
والله وليّ التوفيق🤍🤍
@an05fal