*الرواية التي أجلت قراءتها لسنوات، خوفًا من تأثيرها النفسي عليّ.
*عن الرواية:
-بدأت الرواية التي تحكي عن سقوط غرناطة أخر ممالك الدولة الإسلامية، وذلك خلال 100 عام متتابعة من خلال أسرة بعينها، بيت أبي جعفر الوراق والذي يمرح فيه حسن وسليمة، ونعيم وسعد الذي يكفلهم أبو جعفر في العمل ويعاملهم كجزء من أسرته، مع مرور الأحداث تبدأ في الشعور بالارتباط بهذه الأسرة بشكل واضح.
-سليمة الفتاة الذكية التي تحب القراءة والتعلم والبحث، وحرص جدها على تغذية ذلك بكل ما يملك، يظهر من وسط ذلك سقوط غرناطة وكيف بدأ يتسلل فيها القمع، ونقض المعاهدة التي كانت تنص على الأحتفاظ للمسلمين بحريتهم في تطبيق كافة شعائرهم وعاداتهم دون أي تدخل، وكان من أول مظاهره هو حرق الكتب في ساحة جبل الرملة، وكان هذا الموقف هو بداية نهاية أبو جعفر لتعلقه بالكتب التي كانت هي عمله وحياته، توقع أن القيامة ستقوم في اليوم التالي لذلك، ولكن لم يحدث وأستمر الحال من سيء للأسوأ ورحل أبو جعفر حزنًا وكمدًا.
-تزوج سعد من سليمة وتزوج حسن من مريمة، مريمة الفتاة التي ساعدتها سليمة في تعلم القراءة، كانت مدللة ولكنها ذكية، ملئت المنزل بأطفالها من حسن خمس بنات وولد، أما سليمة فقد فقدت طفلها بعد ولادته وفقدت معه علاقتها بسعد التي أصابها الفتور بعد فترة فقرر الرحيل إلى الجبل لمشاركة الثوار في جهادهم ضد القشتاليين.
-أما التنصير أو الرحيل.. كان لمريمة حوار من أجمل الحوارات في هذا الجزء، وهو الذي جعلهم يقررون البقاء، لذا رفض الجميع الرحيل كما فعل سعد، وقرروا الحياة بصورة مزدوجة، يوافقون على التنصير وتغير اسماءهم العربية الإسلامية إلى اخرى نصرانية، يقومون بالصلاة والصوم وغسل الموتى والصلاة عليهم وإقامة الأفراح في الخفاء، كل شيء في السر، الحياة بأكملها كانت في السر، ويضعون صورة أخرى تمامًا لشخصياتهم أمام الحكام القشتاليين، يحضرون القداس، يعلقون الصُلبان في منازلهم، ينادون بعضهم البعض بأسماء لم يعرفوها أبدًا.
-بعد سنوات عاد سعد مرة أخرى ولكن رحل نعيم ليعمل مع القيس ميجيل الذي أخذه إلى بلاد لا يعرف عنها شيء وحتى لم يذكر اسمها، عادت علاقة سعد بسليمة وتركها ومعها نطفته، عائشة التي ولدت في غير حضوره، تربت مع حسن ومريمة ابنائهم وسليمة، كان يسميها حسن باسم أمل، كان يرى فيها الأمل الذي يمكن أن يجعل الحياة أفضل، الذي يجعله يشعر أن هناك ضوء بعد العتمة.
-أهتمت سليمة بالأعشاب وتركيب العلاجات الطبيعية، فأتهمت بالهرطقة والتعاون مع الشيطان، تم اقتيادها إلى ساحة باب الرملة، في تلك اللحظة شعرت إنها ساحة القهر والظلم طوال احداث الرواية، كانت ساحة نظير الشؤم والموت، فيها ماتت الكتب، وفيها ماتت سليمة، وفيها ماتت حياة غرناطة بالكامل!
-نعيم كان الوجه الأخر لسعد كان يعتمد كل منهم على الأخر، وفي البعد أصبح كل منهم مشتت، تعرف نعيم على مايا التي تزوجها ولكنه فقدها هي وجنينه في اثناء هروبهم، لم يستوعب ذلك وظن أن لديه أطفال قمر وهلال وبدر، فعاد مرة أخرى إلى بيت البيازين ليصُدم برحيل سليمة وسعد بعدها بفترة قصيرة، فجلس مع حسن ومريمة، وعليّ حفيد مريمة من ابنها هشام الذي تزوج عائشة ابنة سليمة، خاصة بعد رحيل بنات مريمة وحسن إلى بالنسية وزواجهم هناك، ورحيل هشام إلى الجبل مع الثوار.
-ظهرت قوة شخصية مريمة بصورة واضحة في كل الأحداث وخاصة في الجزء الثاني من الرواية "مريمة"، كانت قوية ولديها سرعة بديهة ورثها منها حفيدها عليّ، توفى حسن وتركها، وبعد فترة توفى نعيم وتركها، لم يتبقى في هذا البيت الذي كان يمتلئ بالأطفال والروح والحياة سوى مريمة وعليّ الصغير، حلمت مريمة بحلم بأن الأمل سوف يأتي بعد سبع سنوات، وكأنه اسقاط على السبع سنوات العجاف في قصة سيدنا يوسف، بالرغم من محاولة القشتاليين في إخفاء أي معالم للعرب أو الإسلام إلا أن روحهم كانت معلقة بكل ما كان وكأنه لن يكون بعده شيء أبدًا.
-مع مرور السنوات لم تفقد مريمة الأمل، ولكنها فقدته حين حملها عليّ لترحل عن غرناطة، صمتت.. رفضت الطعام.. وبكت، حتى رحلت هي الأخرى عن الدنيا وتركت الصغير عليّ وحده، صرخ "جدتي ماتت" لم تخرج من فمه ولكنها خرجت من قلبه، رق قلبي لحاله كيف لصغير مثله أن يتحمل رحيل الأحباء والأماكن وكل الأشياء التي تعلق بها القلب والروح.
-مرت سنوات وعاد عليّ مرة أخرى إلى البيازين، قابل خوسيه صديقهُ الذي أستغله فأعاد له عمله وأوراقه ولكنه في المقابل أخذ منه بيت عين الدمع وبيت البيازين، مر عليّ بكثير من الفقد والحرمان سواء فقد اسرته برحيل جزء منهم أوتشتت الجزء الأخر في أماكن متفرقة، سُجن عليّ ثلاث سنوات لذنب لم يقترفه برغم براءته منه، ولكنه كان فصل أخر من الظلم يضاف إلى قصته البائسة.
-حين قرر الرحيل إلى "بالنسية" للبحث عن من تبقى من أسرته، وصف ابتعاده عن أشجار الزيتون والعنب في غرناطة ووصوله إلى أشجار الليمون والبرتقال، وكأنها وصف الانتقال من روعة الزيتون وحلاوة العنب إلى الحمضيات التي تتميز بلاذعتها والصبار الذي يحمل الكثير من الأشواك، وكأنه أنتقل من رغد الحياة إلى التعاسة مهما كانت توازيها في الجمال، وهذا الفرق داخله ما بين غرناطة وأي مكان أخر في الكون.
-ظل عليّ ينتقل من هنا لهنا دون أن يدري أين يمكن اللجوء سوى إلى الله، ظل في قرية الجعفرية وكأنها فرع ممتد من بيت آل جعفر كأن روح جده تخبره إنها معه، لم يتخلى عليّ يومًا عن اللغة العربية فصار يعلمها للأطفال، قابل الكثير من النساء ولم تكن واحدة منهن نصيبه، وكأنه كتب عليه فقدان كل الأحباء وفقدان الأمان والسند والحب، كل الأطفال في الرواية لم يعيشون يومًا طفولتهم، تحملوا المسئولية منذ عمر صغير، سواء كان بالزواج أو العمل أو الحياة المزدوجة السرية التي كانوا يعيشونها، مسئولية الظلم والقدرة على تحمل القهر هي الأصعب.
-رحلة عليّ من الجعفرية إلى مصر وزيارة الحسين والسفر لمكة وزيارة الكعبة والقيام بكافة شعائر الحج بحرية دون خوف وبعدها السفر للقدس ومشاهدة الكنائس والمساجد في كل أرض تخطوها قدمه، كانت كأنها رحلة ما بين الأديان، مر عليّ على كل العصور في رحلته، على كل كتب الله وشعائرها، لم يتواجد الظلم والإجبار في أي منهم، فلماذا حدث هذا معهم في غرناطة؟!، ما الكتاب الذي يعتنقه الظالمون على هذه الأرض؟!.
-زرعت مريمة الزيتون في غرناطة فاُقتلعت من الأرض، ذهب عليّ ليزرع الزيتون في الجعفرية فكتبوا عليه الرحيل، وكأن جذوره لن تمتد يومًا ويسحبون البسيطة من تحته كلما ثبت، لا أهل، لا زوجة، لا أولاد، لا أرض، ولا زيتون، هكذا كانت حياة عليّ، وحيدًا عاريًا من كل شيء إلا من الحزن والألم والفقد، رحل عليّ من الجعفرية كما جاء، ولكن من قال أن الموت في البقاء؟ بل الموت في الرحيل، ولا وحشة في قبر مريمة، فعاد عليّ إلى جذوره يبحث عن الحياة.
*خواطري:
-التفاصيل كانت كلمة السر دائمًا في الرواية، كانت د.رضوى عاشور تحترف غزل كافة التفاصيل البسيطة بشكل مبهر وتضفرها مع أحداث الرواية بتمازج واضح، وصفت لي شكل باب الحمام العربي عند إنشاءه، وصفت لي صندوق مريمة وزخرفته، وصفت حي البيازين والسوق وعين الدمع وساحة باب الرملة وساحة الحمرا التي أصبحت كنيسة، وصفت كل شيء وكأنني أراه، فعشت معهم وكأنني هناك وتعلقت بهم.
-لعبت د.رضوى عاشور على وتر العلاقات الإنسانية ومدى تعلقنا بالتفاصيل والأشخاص، وكأن الإنسانية لها علاقة بالقلب كما لسقوط الأندلس علاقة مباشرة بالقلب، كانت الإنسانية هي الغطاء الذي يجبر القلب ويهون القسوة الموجودة في الأحداث عليه، لذا لم تجعلني أتعلق فقط بفكرة الأندلس المهيبة التي حين سقطت سقط معها جزء من قلب كل مسلم، ولكنها جعلتني اتعلق بأسرة على مدار سنوات وأجيال، وطرفين كل علاقة التي كانت تتلخص في العطاء والمنح بشكل متبادل ومتباين ما بين شخصيات الرواية بالكامل، لذا لم تكن الرواية سرد تاريخي أو احداث سياسية بحته، ولكنها كانت حكاية جذابة متجانسة من كافة الجوانب ومتضافرة مع بعضها البعض، جعلتني أحزن معهم وأفرح معهم وأبكي عليهم ومعهم، انتهيت من الرواية وأنا حزينة على فقدان الأندلس وفقدان اصدقائي الذين عشت معهم طوال احداث حياتهم.
*بعض الاقتباسات من الرواية:
-"كل شيء في الحياة مقدر، وكل خطوة نخطوها مكتوبة في اللوح المحفوظ، جاء إلى الجعفرية ليسأل عن عمته وكان مقدرًا له أن يبقى فيها، يتلمس الغريب المكان، يتعرف ببطء عليه، وتبقى المسافة لتؤكد غربة المكان وغربته فيه."
-"أحيانا أقول إن الحياة تقسو بلا معنى ولا ضرورة، وأحيانًا أقول حظنا منها، وإن ساء، أقل قسوة من الاخرين، أقل بكثير."
-"لا يأتي الكدر منفردًا، وكذلك الفرح يجيء وفي أعقابه فرح سواه."