أعدتُ قراءة هذه الرواية بعد أكثر من عشرين عاماً من قراءتي الأولى، وبعد أكثر من خمسين عاماً من زمن تأليفها، وقد رسخ في وجداني الآن أنها من أعظم ما كُتب في الأدب العربي الحديث.
هذا الرأي المتطرف مبني على أكثر من عنصر روعة:
أولاً، فالطريقة التي أعاد بها جمال الغيطاني رحمه الله تخليق البيئة القاهرية في القرن السادس عشر أصيلة ونموذجية في فنيّتها، وتعد مثالاً لكل من يطرق مجال الرواية التاريخية. فمن ناحية الأصالة اللغوية، توظيف المفردات، استجلاب عناصر الزمان والمكان، والأهم من ذلك تكوين الشخصيات، كل ذلك خلق عالماً مكاملاً يحملك حملاً إلى ذلك العالم، بدون ابتذال ولا تكلف ولا خروج عن السياق.
ثانياً، إسقاط الحبكة التأريخية على الزمن المعاصر، والغوص في أقبية الدولة البوليسية بمفردات زمن المماليك، كل ذلك صنع حياة موازية تحتوي القارئ تماماً،تجعله معنياً بمعاناة الشخوص التخيلية، دامجاً ظرفه وهمه الذاتي بالأحداث المتصاعدة.
ثالثاً، ومجدداً، الشخصيات. إن هذا التنقيب البديع في نفسيات وعقليات «البصّاصين»؛ مخبري وجواسيس الزمن الماضي، مع إبقاء خيط السرد مشدوداً دوماً بين زكريا بن راضي، والزيني بركات، وسعيد الجهيني، بين أهالي القاهرة وفلاحي الصعيد ومجاوري الأزهر وأمراء المماليك وعسكر العثمانلي، كله تم سبكه في قالب حيّ بالغ التكامل.
رابعاً، فتح جمال الغيطاني بعمله ذاك الباب أمام نمط فريد في السرد، حاول الكثيرون تقليده بدون بالغ توفيق، يستحضر التراث خامة حية للحاضر، ويجعل اليوم امتداداً أصيلاً للأمس، ويقيم الإنسان ابن بيئته عنصراً متجدداً في المروية البشرية القابلة لإعادة الاستعادة والتخلق حتى في زمن الإنترنت، وإن اختلفت المرجعيات والهويات.
بعد خمسين عام من نشر الرواية، وسنوات من رحيل الغيطاني، سنستوعب أن الزيني بركات حيّ وموجود، منذ ظهوره المفترض في القرن السادس وعشر، وقبل ذلك. إنه بارع جداً في تغيير وجهه واسمه. وملم جداً بتفاصيل حياتك. إنه روح كل بصّاص، ظلك الذي لا يزول حتى بالليل. «الأخ الأكبر» كما سمّاه أورويل، وكما أخبرنا الغيطاني.