قصة "ذبابة بشرية" للكاتب النرويجي هانز اولاف لهلوم نموذج للقصة البوليسية المشوقة المنغمسة في التخييل التاريخي.
وإذا كان الموضوع الرئيسي للقصة البوليسية كنوع أدبي هو التحقيق الذي يرمي الى العثور عن مرتكب جريمة غامضة الظروف والأسباب، وتحديد دوافع الجاني من خلال وسائله وكيفية تنفيذ جريمته، بقصد كشف القناع وتجاوز ذكاء المجرم في سعيه لطمس معالم الجريمة وإخفائها، ومحاولته الإفلات بتوريط غيره ومحاولة إلصاق التهمة به. كل هذه العناصر متوفرة في قصتنا هذه، ولعل الكاتب قد برع في استجماع هذه العناصر، وحقق الانسجام والتعاون بين محقق الشرطة الشاب، كولبيورن كريستيانسن، الملقب اختصارا بـ K2الذي يتمتع بالنباهة والفطنة والإمكانات الفكرية والقدرة على فك ألغاز الجريمة المزدوجة، وبين مساعدته الشابة باتريشيا بورشمان، القعيدة ذات الذكاء الخارق، باستخدام التحليلات الموضوعية والاستقراء والاستنباطات المنطقية، ودراسة الاحتمالات، السعي الوصول الى النتائج الصحيحة من المقدمات مهما كانت ضئيلة أو ثانوية من حيث الأهمية والرجحان.
فعبر طرح أسئلة وفروض عن الدوافع التي تقف وراء ارتكاب الجريمة والسعي للتحقق من الشُبهات التي تثار عن الشخصيات الرئيسية الساكنة في المبنى الذي وقعت فيه جريمة القتل، وكل شخصٍ آخر تربطه صلة بالضحية هارالد أولسن، ، تتطور الحبكة وتتعقد الصورة بما يخلق حالة الغموض والإثارة منذ السطور الأولى للقصة إلى غاية فك اللغز والكشف عن القاتل في ختامها، في أيام قليلة.
إن التفاصيل الغامضة خلال تعقد حبكة القصة وتطور التحقيقات بما تثيره من أحداث مختلفة في الزمان والمكان جعلت القارئ منتبها، وقد يتفاجأ إلى الشخصيات المختلفة المشتبه فيها تغير أقوالها وتتراجع عن تصريحاتها السابقة كلما جَدَّ جديد خلال سير البحث الجنائي. لاسيما باستحضار مسار الضحية وعلاقته السابقة ببعض المشتبه فيهم منذ الحرب العالمية الثانية خلال فترة الاحتلال النازي للنرويج، بعدما أدرك المحقق من خلال الأدلة التي توفرت لديه أن لهذه الذكريات والوقائع ارتباط وثيق بالجريمة والدافع الأساسي لارتكابها. لهذا نجده يشرك القارئ في حيرته أحيانا في التكهن بمرتكب الجريمة الحقيقي، غموض لن ينجلي قبل أن يتفاجأ بأن القاتل من الذكاء بحيث ظل في المبنى الذي ارتكبت فيه الجريمة، غير مثير لشُبهات واضحة من البداية بل كان ماهرًا في التخفي، إلى غاية النهاية الدراماتيكية للقصة، حي يتكشف للقارئ أنه كان مجرد ("ذبابة بشرية" مثل العديد من الأشخاص الذين مروا، في وقت من حياتهم، بشيء معقد ومؤلم للغاية لدرجة أنهم لم يتمكنوا من التغلب عليه أبدًا) كما ورد في الرواية.
حاصل القول أن رواية "ذبابة بشرية" قصة بوليسية متقنة تعيدنا إلى أجواء قصص أجاثا كريستي، التي تم ذكر أساليبها في القصة بالمناسبة، وهي فعلا تستحق القراءة والتنويه.
قراءة ممتعة.