الذكريات مخلوقات عجيبة، هل تعيش فينا؟ أم أننا نحيا طالما بقيت لنا ذكريات في عقول الآخرين؟ هل للذكريات دورة حياة منفصلة عنا تتنقل فيها عبر الزمن بين الأجساد على شكل أحلام؟
لن تنتهي الأسئلة.
الرواية تقدم لنا هشام خطاب الشخصية المركزية الذي يعيش في مصر ويشهد في حياته القرنين العشرين والحادي والعشرين. هشام يدعي أنه يعيش حياة أخرى عندما يحلم... حياة تخص إنسان آخر عاش في البصرة في القرن الثاني عشر واسمه يزيد ابن ابيه. بتتبع الروائية منصورة عز الدين لادعاءات هشام تحملنا معها في عالم هو اشبه بهالة مكونة من ذكريات تستمر في التأرجح بين مرايا الواقع لشخوص الرواية.
ستمر منصورة بنا (احياناً) بنفس الذكريات لكن من مرآة واقع أكثر من شخصية. كيف لنفس الذكرى أن يكون لها وقع مختلف تماماً عندما ننظر إلى انعكاسها من مرآة شخص مختلف؟ ماذا يعني هذا؟ هل نتشارك فعلاً صنع ذكرياتنا مع الآخرين أم أن كل شخص يعيش في هالته الخاصة ويرانا بشكل لن نعرف نفسنا فيه؟
لن تنتهي الأسئلة.
دعوني أحاول أن أخبركم لما وجدت هذه الرواية رائعة وابهرتني حبكتها... لقد وجدت فيها طرح فلسفي لفكرة مخيفة جداً بالنسبة لي، من نحن بدون ذكرياتنا عن أنفسنا وذكريات الآخرين عنا؟ ارتعب جداً من قلة حيلتي عندما أعجز عن تذكر أمر ما أو اسم شخص ما... اريد التشبث.
هشام خطاب هنا يقوم بالكثير من الادعاءات عن ذكرياته ومن ادعاءاته تبزغ حيوات لعدد من الناس يفترض بأنهم عاشوا قبله بعشر قرون. ادعاءات هشام تشق في مجراها اخاديد تشرخ حيوات عدة لأشخاص ملاصقين له في حاضره... ام هل هو يدعي وجود هؤلاء الأشخاص كذلك. يبدوا العالم كله ممتداً باتساع هائل عبر الزمان والمكان لكنه محصور بكليته ما بين ادعاءات هشام خطاب وذكرياته التي جاءته من الزمن السحيق لتعصف بأمه وتلتهم استاذه في لهيبها وتبعثر أيام عدد من النساء... الغير محظوظات.
زاد من استمتاعي بالرواية استماعي لها على تطبيق ستوريتل بأداء صوتي ولغوي ودرامي خارق من الأستاذ خالد الذهبي.