• اسمُ العملِ: مولتينج.
• اسمُ الكاتبِ: أيمن القاضي.
• عددُ الصفحاتِ: 388 .
• النوعُ الأدبي للعملِ: رواية إجتماعية.
• تقييمُ العملِ: 5/5 .
•(هارون إبراهيم الكريبي) الذي جاءَ مُستغيثًا مُمسكًا بتلابيب (أسامة زياد)، يبدو هادئًا ولكن ما يعتمرُ في صدرِه أكبرُ منْ أن يُحتمَل، يحكي هارون مفتورَ القلبِ عن ما آلَ إليه، يحكي سعادةً وحزنًا، نجاحًا وفشلًا، يحكي ويحكي لعلَّ الكلماتَ تخرجُ مُحمَّلةً بأحزانِه.
•توغَّلَ الكاتبُ في الصفحاتِ الأولى في أنفسِ أُناسٍ يعيشونَ بينِنا..
«يقومون بكل شيء مثير للصخب، فأفهم أنهم يمارسون وجودهم بشكل ما».
هؤلاء الَّذين قادَهم الفقرُ والضعفُ إلى مقاعدِ المقاهي يثيرون صخبًا؛ لعلَّهم يشعرونَ بآدميتهم التي ابتلعتها الحالة الإقتصادية والإجتماعية والسيا/سية المُحيطة بهِم.
•نرى رتابةُ حياةِ " أسامة " من عيادتِه إلى المقهى رصدتْ لنا أننا أصبحنا نعيشُ لنُحا/ربَ فقرَ المالِ و فقرَ النَفسِ من الحياةِ.
و علَّ ما أنقذَه منْ غياهبِ الرتابةِ المُطلقَةِ حبَّه لِعملِه كطبيبٍ نفسيٍ، وهارون.
•اسمُ الروايةِ يدعو للتساؤلِ والاستقصاءِ، ولكنه مُلائمٌ عكَسَ ما أرادَ الكاتبُ إيصالُه.
•رويدًا رويدًا تزدادُ قوةُ الروايةِ وحبكتُها، وكانتْ _الحبكة_ تُسوَّى على نارٍ هادئةٍ، متماسكة منطقية، عدا حدثٍ بُنيَ عليه بعضُ الأحداثِ لم أرَ له تفسيرًا سوى الصُدفةِ اللامنطقيةِ، وكانت تُحاكُ النهايةُ ببطئٍ، أمَّا عن النهايةِ في حدِّ ذاتِها فلن يوصفَ قوتها سوى دموعي التي حُبسِتْ في عينيَّ، الروايةُ قائمةٌ على نهايتِها !
الماضي يتضافرُ مع الحاضرِ، في لوحةٍ لُطِّختْ بالدمِ والحُزنِ جاءتْ، وأقسمَ الكاتبُ أن يُترَك كُلًا من شخصياتِه وقرائِه يذرفونَ دموعًا، دموعًا تشهدُ أنها روايةٌ لن تُنسى، وأني حييتُ فيها وفارقتُ بإنطواءِ أخرِ صفحةٍ منها أناسًا ما ظننتُ أنِّي بمفارِقةٍ لهم.
•اُستخدِمَ أسلوبٌ سرديٌ حيثُ الراوي متكلِّم، مُشاركٌ في الأحداثِ، نرى بمنظارِه، نعلمُ بواطنَه بلسانِه، هارون هو الراوي في مُعظمِ الروايةِ، وبعضَ الفصولِ رواها آخرون، أسلوبٌ ملائمٌ للأحداثِ، عمِلَ على مُعايشتِكَ للشخصياتِ بحرفةٍ ومهارةٍ.
الإيقاعُ السرديُ سريعٌ، ليسَ ذلِكَ الذي يجعلُ الروايةُ تنسابُ من بين يديكَ دونَ أن تشعرَ بأنَّكَ قرأتها، مُعتدلٌ أعطى لكلِ حدثٍ حقَّه، ويعطيكَ منَ الوقتِ ما يجعلُك تحيا مع الشخصياتِ.
•لغةُ السردِ منمقةٌ، لو جُسدَّت لكانتْ امرأةً فاتنةً بِلا شكٍ، سايرتْ أجواءَ الروايةِ بدونِ سطوةٍ عليها أو نفورٍ منها، فهي فُصحى في أجواءٍ شعبيةٍ، أعطتْ للروايةِ مذاقًا خاصًا.
لمْ تُصَبْ بالركاكةِ، بل تشبَّعت بالتشبيهاتِ البلاغيةِ التي عكست الرسَّامَ بداخلِ الكاتبِ، فرسمُ الشخوصِ سَهلٌ بالقلمِ، وَلكنْ مُعايشتهم فيما يقرُبُ 400 صفحة هو التحدي بعينِه، وَقد نجحَ فيه ببراعةٍ.
«إنها الدنيا التي تكره أن يسير فوقها المرء هادئ القلب، ساكن النفس دون أن تكدر عليه صفوه و تنغص عليه عيشه.. تتزين من بعيد للقادم فتظهر للظمآن ماء.. يهرول نحوها فإذا به يسقط سقوطا مروعا في شراكها وحبائلها ولا تزال تحكم خيطوها حوله حتى تودعه خنادق اليأس وكهوف الأحزان».
وَلغةُ الحوارِ سارتْ على خُطى لغةِ السردِ، فُصحى يتخللُها أحيانًا العاميةُ كي تُواكبَ الشخصياتِ وَالمكانَ بخفةٍ.
•لمْ يخلُ أسلوبُه منْ نَزعةٍ كوميديةٍ تعكسُ لكَ حالَ المصريين وأنهم " شعب ابن نكتة ".
«حين تعبر الباب ستصطدم عينك ببرواز كبير كلاسيكي معلق على حائط الردهة، مكتوب بداخله بخط كوفي أنيق غاية في الوقار ( القلب اشتكى من قلة الهشتكة )».
لم يفشلْ الكاتبْ في إظهار ذاك الجانب على مدارِ الروايةِ، فكنتُ _في بعضِ الأحيانِ_ أتركُها جانبًا وأتوقفُ عن القراءة لأني أضحك من قلبي حقًا.
•كثرةُ استخدامِ علاماتِ ترقيمٍ في غيرِ موضعِها مِثل { .. } {...} و خلطِهما بالفاصلةِ { ، }.
جاءَ في كتابِ الأخطاءِ اللُغويةِ الشائعةِ في فصلِ الفاصلةِ:«تُسْتَخْدَمُ الْفَاصِلَةُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْجُمَلِ، وَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى سَكْتَةٍ خَفِيفَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّم ...».
و جاءَ في فصلِ النقطتين المتتاليتين { .. }: «النُّقْطَتَانِ الْمُتَتَالِيَت
و في فصلِ النقاطِ الثلاثِ المتتالياتِ { ... }: «... تَعْنِي أَنَّ فِي مَوْضِعِهَا كَلَامًا مَحْذُوفًا، مُقَدَّرًا أَوْ غَيْرَ مُقَدَّرٍ ...».
وكانَ جَليًّا خَلْطُ الكاتبِ بينهم منْ صفحاتِها الأولى حتَّى نهايتها.
بجانبِ القليلِ من الأخطاءِ غير الملحوظةِ في أغلبِ الأحيانِ.
•هارون، بطلُ العملِ الرئيسي، كُتِبَ بدقةٍ شديدةٍ، مُصابٌ من أيامِه الأولى بتهتهةٍ في الحديثِ، لم يفلحْ الطبُّ في زحزحتِها عنه، كَبُرَ فَكبُرتْ معه حتى أخلَتْ من حياتِه الأصدقاء، لا يُؤنسُ وحدتَه سوى حُبِّ مآلُه الفشلِ، "رحيل" جارته المسيحية التي ربتتْ على قلبِه في أحلكِ مواقفه في صغرِه، وحبيبَتُه في كبرِه، تسلُكُ بنا الروايةُ مسالكٍ عدَّة نرى فيها تحوُّل هارونُ المنبوذِ إلى (الشيخ هارون)، ثمَّ تحوُّله بقسوةٍ إلى (الشيخ هارون الفلتان).
حليمٌ طيِّبَ القلبِ كانَ، وبتصاعدِ الأحداثِ وتوالي الصفحاتِ نزعَ عنه رداءَ الحُلم والهدوء، ليُصبحَ غريبًا عنَّا، وعن نفسِه حتَّى.
«العينان المتقدان لشخص آمن بقدرته على تغيير العالم، الآن خبا بريقهما ولم يعودا يصلحان لغير النحيب..»
تدرُّج شخصيتِه تُدرَّس، عشتُ معه حتى نسيتُ أنَّه أحرفٍ على ورق، ودوافعُه كانت منطقيةً، جانبٌ منه يخطو على خُطى تربيتِه الإسلاميةِ على يدِ شيخِه (خليل المحمدي)، و الآخر منه لا يرى سوى ما يُخبرُه بهِ قلبُه، قلبٌ عاشقٌ عمَاه عشقُه، لا يُعارِضا بعضهما، فجُسِّدَ لي هارونُ غريبًا، ولكنَّه لمْ يخلو من منطقيةٍ، فهارونُ في حياتِه كلُّها في كفةٍ، وهارونُ مع رحيلٍ في كفةٍ أخرى، يحملُ بينَ جنباتِه شوقًا جعلَه يحيدُ عنْ طريقِه الحزينِ ليقتربَ مِنْ رحيلٍ، ولو شبرًا واحدًا وصحيحٌ أنَّ الهوى غلَّاب!
مولتينج، تعني الإنسلاخَ والنزعَ، أو كما قالَ هارون (الخروج من شرنقتي الخانقة)، قادتْ بهارونِ السبلُ إلى الـ مولتينج، بأنَّ عليه الإنسلاخَ منْ نفسِه القديمة وماضيه الذي يأبي أن يُمحى ويُنسى.
القروي في المدينةِ، لم ينسْها الكاتبُ، وزادتْ من جعلِه مميزًا في ذاتِه، جسَّد في هارون يأسَ الشبابِ ومخاوفهم، ما يجولُ بخاطرهم وما يؤرقهم، هارون لم يحيا قط على أسطرٍ وورقٍ، بل عاش بيننا وأصبح لنا واجهةً.
•بسَّام محمود بطراوي، ذو عَرجةٍ خفيفةٍ في قدمِه اليُمنى، جارُ هارون في حيِّ السيدةِ زينب، فنانٌ رسَّامٌ فوضوي، تملأُ الفوضى عقلَه كما تملأُ منزلَه، كثيرُ العلاقاتِ النسائيةِ، ثا.ئرٌ قديمٌ يَظنُّه الجاهلُ بهِ خَمدَ ثأ.رُه، ولكنَّه مازال يثأُ.رُ في كلماتِه ولوحاتِه، ضد القم/عِ الذي يحيا فيه، ذ.لٌ وإها.نةٌ هكذا يُمكن أنْ يُلخِّص الحياةِ منْ حوله، ترى لهجتُه المُستهزءة المازحة في حديثِه، وعلى لسانِه ناقشَ (أيمن القاضي) قضايا إجتماعيةً شائكةً.
«كثير من المشكلات ستحل نفسها بنفسها لو شعر الفرد أنه يعامل معاملة كريمة ويحيا الحياة الآدمية التي يستحقها دون ذ.ل أو هو.ان.. عند تلك اللحظة لن تجد الحاجة لحجب مواقع ولن تحشد جيوشك لمحا/ربة إدما/ن أو محا/ربة فسا/د... هي منظومة متكاملة وسلسلة حلقات متصلة، يقاس تماسكها بقوة أضعف حلقة فيها وهي الفرد..».
شخصيةٌ في غايةِ الإنفرادِ، بأرائِه ونزواتِه وفنِّه، أرى سِنَّه الذي على مشارفِ الأربعين في كلماتِه، تركَ بصمةً في ذهني لنْ تُمحى بسهولةٍ.
•سلفراس، الغنيةُ التي يظهرُ غناها في جونلتِها القصيرةِ وعلبةِ سجائرِها، الشاعرةُ ذات الشِعرِ الردئ، قادتْ نفسها بجشعٍ وغرورٍ متوارٍ إلى التهلُكةٍ، وأبَتْ أن تذهبَ وحدَها.
•ندى، ظنَّت بغرورِ الإنسانِ المعهودِ أنها قادرةٌ على التغييرِ، أنَّ حياةً هادئةً تنتظرُها، ولكن هيهات هيهات أن تخضعَ لها الحياةُ، أحالَتْ حماسَها وحبَّها إلى حُزنٍ دفينٍ.
•رحيل فخري، حُبٍّ لم يُكتَب له الإكتمالُ، الرقيقةُ التي احتوتْ هارونَ حتى هلكا سويًا، دورُها مؤثرٌ للغايةِ، وهي مكتوبةٌ ببراعةٍ، ولكنِّي كنتُ أتمنى فصولًا أكثر ترويها بنفسِها، لكي نتعرَّفَ على رحيل كما ترى نفسَها، ليس كما يراها هارون.
•فؤاد جبر، الكاتبُ والنائبُ الذي يروي الكاتبُ على لسانِه أحوالَ السُلطة والسيا/سة من الأعلى، حينَ يرى بسَّامُ الواقعَ من الطبقةِ الدُنيا، يراها فؤاد من الطبقة العُليا، وشتان بين الطبقتين.
•هارون بأبيه، نشأتْ بينهم علاقةٌ نسجها المكانُ بتمعنٍ، فالأبُ ذو التربيةِ الإسلاميةِ التي تتجلى في حياتِه مع ولدِه، القريةُ التي نشأوا بها والتي مهدَّت الطريقَ لهارون إلى شيخِه خليل المحمدي، هُنا في قريتِه ليسَ له سوى والدِه، ملاذُه الآمن، الذي فقدَه بنزوحِه إلى القاهرةِ، وليس فقط بنزوحِه إلى هُنالِكَ!
• إبراهيم، أسامة، مهيب التلمساني، أيمن بشارة، العديدُ من الشخصياتِ الأخرى التي أدارتْ مقوَد الأحداثِ، لكلٍ منهم طبائعٌ مختلفةٌ، تمَّ توظيفهم بحيث يؤدوا دورَهم ببراعةٍ، فلا تشعر بإختزالٍ في أدوارِهم.
•أفردَ الكاتبُ شخصياتَه بشيءٍ مميزٍ، مثلَ عرجةِ بسَّام، وتهتهةِ هارون، فأضحوا ذوي لحمٍ ودمٍ، ووظفهم في أماكنِهم الصحيحة.
•دارُ النشرِ حيثُ يعملُ هارون هي إسقاطٌ على الدولةِ، بها من العراقةِ ما بها ولكن أفسدها الإهمالُ، كما نرى في أيامنا تلك هُدمَت العديد من معالمنا المصريَّة، ما يعكسُ حيواتنا وحيواتِ مَن قبلنا فُرطَ فيه.
الحماسُ المشتعلُ لهيبُه يخمدُ في ليلةٍ وضحاها، ويسكنُ المللُ والفتور روحكَ، «تواجهك العراقيل والتعفن الإداري والفكري»، « الجميع واشون، فاسدون، ولابد أن ينالني العفن يومًا» كما جاء على لسان هارون.
•نقاشُه للجانبِ الإيماني بوقارٍ على لسانِ الشيخِ خليل المحمدي كان هادئًا، يلمسُ قلبَكَ كما لمسَ قلبَ هارون، ثبَّت به فؤادَ هارون حتَّى يستطيعَ الصمودَ في أحشاءِ القاهرةِ القاسيةِ رغمَ دفئها، فهو _الكاتب_ مهَّد لمصيرِ شخصيته مُبكرًا منذُ شبابِه.
• لا حُر.ية مُطلقة هُنا في بلدِكَ، الحر.يةُ كلمةٌ يُمكنُ أن تَجدَ لها معنًى في قاموسِك، ولكنكَ حتمًا لن تجدى لها معنًى في حياتِك، أنتَ مُق.يدٌ وع.بدٌ ذ.ليلٌ لقوةٍ أكبرٍ، وأنتَ تظنُّ _جاهلًا أو متغاضيًا عن الحقيقةِ_ أنك حُرٌ، تبًا لحماقتنا !
•أزالت حقًا تلكَ الروايةُ الغُبارَ عن نَفسي، مُتكاملةٌ في رأيي، ما أرادَ الكاتبُ أنْ يُحييني فيه حييتُ فيه بشدَّة، قلما أتأثرُ بروايةٍ مثلما تأثرتُ بتلكَ.