جائتني هذه الرواية كمفاجأة سارة على مهل،
رفم أني كنت قد سمعت وقرأت عنها من صديقة فلسطينية أثق في ذوقها وأحب اختياراتها (منذ شهور) إلا أنه ضاعت في زحام الكتب والروايات، حتى جاء #معرض_أبجد_الالكتروني، فوجدتها كأنما تناديني "وحيدة كغرفة مزدحمة"، قلت لنجرب، وفوجئت أنها مكتوبة بالطريقة التي أحبها كثيرًا في الروايات، الرسائل، جاءت أول رسالة إلى أصحاب العمل، كنت أظن أنها ستكون مجرد بداية، ثم تبدأ في حكايتها،
ولكن كانت المفاجأة أن الكاتبة اعتمدت الرسائل في الرواية كلها.
.
لم تكن هذه المفاجأة الوحيدة في الرواية، بل بقية التفاصيل، هل تخيلت أن ترسل رسالة لأصحاب العمل، بعد أن تقدمت بالوظيفة، لتحكي لهم مالم تذكره في المقابلة الشخصية؟! أو ترفق في سيرتك الذاتية بعض أخبارك الخاصة جدًا..
أن تتحوّل رسائل التقديم إلى فرصة للحكاية عن "خيباتك" المتكررة، وحياتك التي لا تعرف لم تسير على هذا النحو .. وكيف؟!
هذا ما فعلته بدار سالم ببكلة روايتها مجدل، والتي يمكن أن نلحظ بسهولة أن ثم تقطاعًا بين حكايتها وحكاية بطلتها بدءًا بذلك الاسم الذي يوحي بأنه اسم لولد، ثم إذا به بإضافة حرف يتحول لاسم لأنثى، وعملها بالصحافة والإذاعة، ثم سفرها في نهاية الرحلة الطويلة..
كيف يمكن أن تحكي حكايته البسيطة؟
لعل هذا السؤال هو أكثر ما يؤرق كل كاتب وروائي لاسيما إذا كان هذا عمله الأول، ولكن بدار سالم استطاعت من خلال تقنية الرسائل السهلة الممتعنة أن تجذب القارئ إلى عاملها وحكايتها، ليشعر كأنه المخاطب بهذه الرسائل، والتي توزعت بين رسائل لأصحاب الشركات والأعمال التي تسعى للوصول إليهم أو حتى تركهم، وبين رسائل إلى اختها أو صديقها وحبيبها الغائب، وتمكنت في كلٍ منهم أن تنقل أطرافًا من حكايتها الشخصية، أضف إلى ذلك ما تمتعت به تلك الرسائل من خفة دم ومحاولات للسخرية على الألم أحيانًا، قدر من الكوميديا السوداء كما نسمية يغلف العمل، ويجعل له طابعًا فريدًا ومميزًا، كما وضعت عددًا من الهوامش أو جمل بين الأقواس لشرح أو تفصيل ما أشارت إليه في نص الرسالة..
كل ذلك وفلسطين في القلب منه! هل يمكن أن تأتي حكاية فلسطين بعد كل ذلك؟! هل يمكن أن تتحدث الكاتبة بخفة عن المأساة، عمّا يعانيه الفلسطينيون في الداخل من قهر وظلم وتهديد بالاعتقال، ومظاهرات ومحاولات للثورة، بل حتى السجن والموت يتحول إلى رفاهية، في ظل ظروف الحياة الصعبة التي تعاني منها البطلة، التي تمنت لو كانت تعيش في نعش!
أضاف إلى ذلك أيضًا أن بطلة الرواية مجدل قارئة جميلة، تختار من بين نصوص رسائلها عددًا من سطور رياض الصالح حسين وزكريا محمد وغيرهم، كما يأتي ذكر غسان كنفاني وغيرهم، مما يمنح القارئ شعورًا بالاقتراب أكثر من عالم بطلة الرواية وحكاياتها الشيقة، حتى تساؤلها حول مقابلات العمل وما يجري فيها:
((لم أستطع مَنع نفسي من الضَحِك عندما سألتني اللجنة - المكوَّنة من أربعة أشخاص (أين المنطق في إحضار أربعة أشخاصٍ لمقابلة شخصٍ واحدٍ أصلاً!) أين تَريْن نَفسك بعد خمس سنوات انتابتني نوبة ضِحكٍ هستيريٍّ، وطلبوا منِّي في إثرها الخروج من الغرفة ليست إشارةً جيِّدة، أليس كذلك؟ ولكنْ جدِّيًّا، ما معنى هذا السؤال؟ كيف سأخطِّط لشكل حياتي بعد خمس سنواتٍ في حين أنَّ ليست لديَّ فكرةٌ عن شكلها بعد يومٍ أو حتى ساعةٍ؟ لا يمكنني التفكير بالمستقبل، لأنَّني لا أعلم من أنا في هذه اللحظة، ومن سأكون غدًا، وما السبب الذي سيرغمني على النهوض من السرير لا يمكنني معرفة المستقبل، لا يمكنني حتى تخيُّل لونه، شكله، حجمه، طوله (أقصد المستقبل). هل يعني هذا أنَّه ليس لديَّ طموحٌ أو هدف؟ ربَّما، طموحي في كثيرٍ من الأحيان لا يتجاوز قضاء يوم واحدٍ من دون الشعور بالذنب تجاه تجاهلي بائع معطِّر السيَّارات على إشارة برونتو))
في النهاية لايملك القارئ إلا أن يتعاطف مع مجدل وحكايتها، وأن يضع بدار سالم بين كتابه المفضلين، وأن يطالبها بالمزيد من الروايات الشيقة.
#أبجد
#معرض_أبجد_الالكتروني
Abjjad | أبجد