1️⃣ الموضوع : قراءة نقدية
2️⃣ العمل : رواية " كما فوق كما تحت"
3️⃣ التصنيف : فانتازيا ـ خيال
4️⃣ الكاتب : أحمد عبد العزيز
5️⃣ الصفحات : 398
6️⃣ سنة النشر : 2026 م
7️⃣ الناشر : الرسم بالكلمات للنشر و التوزيع
8️⃣ التقييم : ⭐⭐⭐⭐
▪️منذ زمنٍ بعيدٍ قريب، فارغ مشغول ، وأنا أتنقَّل بين عوالم مرئيةٍ مجهولة، غرائبية معقولة ، وأعبر فضاءاتٍ لا تحدها الجهات، ولا تضبطها الخرائط، ولا تحصيها البوصلات ، ولا تسير بشرائط ، أتنقل بأساليب سلكيةٍ ولاسلكية، ممتطيًا تردداتٍ موجية، وأشعةً سطحية، وحمراء، وتحت الحمراء، حتى ألفتُ أن للفكر أطيافًا كما للنور أطياف، وأن للمعرفة تردداتٍ كما للموج ترددات، وأن وراء كل إشعاعٍ إشعاعًا، ووراء كل أفقٍ أفقًا، ووراء كل حقيقةٍ حقيقةً تنتظر من يزيح عنها ستار الغفلة..يطرق باب العرفان، وهو مفتوح للسائلين ، إذا نطقوا بالسؤال الصحيح ، لأن أفواه الحكمة مغلقة ؛ إلا لآذان الفطناء .
▪️وحين التقى عندي الفيض القرمزي بالبيان الأثيري في الفضاء الأزرق، وتصافحت الإشارات مع الرموز، والتقت الموجات بالأسرار، ساقني القدر إلى منصةٍ "سماوي" فإذا بها تزيح الستار عن عالمٍ مبتكرٍ، مجنونٍ في هندسته، عاقلٍ في جنونه، واقعيٍّ في خياله، وخياليٍّ في واقعه، صادقٍ في كذبه، وكاذبٍ في صدقه، أمينٍ في خيانته، وخائنٍ في أمانته؛ عالمٍ صاغه فنانٌ لم يكتفِ بأن يروي حكاية، بل أعاد ترتيب الكون بالكلمات، وشيَّد من الحروف متاهات ، ومن الرموز مجرَّات، ومن الأسئلة معبدًا حصيناً ، ووضع عليه حارساً أميناً، لا يدخله إلا من صمت لخطابه ، وخلع يقينه على بابه .. ذلك المبدع هو أحمد عبد العزيز.
▪️في هذا العالم تلاقت المتضادات بسهولة ويسر ، وتقاربت المتباعدات بقهر وجبر ، وتناظرت المتشابهات حتى اختلط وجه الشبه بالأساس، وتشابهت المتناظرات حتى ضاع الحد الفاصل بين الأصل والانعكاس .. وعلت الأسافل حتى جاوزت المدار ، وتقعرت القمم حتى لامست القرار، واختلط الحابل بالنابل، والقوي بالضعيف، والعالم بالجاهل، والبر بالفاجر، والمؤمن بالكافر، والخير بالشر، والحق بالباطل، حتى جن العقل ، وارتاب المنطق ، وشك اليقين في نفسه.
▪️ثم تمضي الرحلة إلى أوديةٍ أشد غموضًا؛ حيث تتعانق أسرار الصوفية مع أفكار الغنوصية، وتتمازج إشارات الهرمسية بغرائب الكابالا، ويتجاور الوجود مع الموجود، والمحدود مع اللامحدود، والمعدود مع اللامعدود، والمفقود مع المردود، في نسيجٍ فلسفيٍّ كثيف، ونتاج عقلي مخيف ، لا يطمئن إلى جواب، ولا يركن إلى تفسير، ولم يكن غرض هذا العالم أن يفتنك بعجائبه، أو يبهرك بغرائبه، بقدر ما أراد أن يغرس قدميك في الأرض، ويزلزلها من تحت قدميك، ليعلمك أن السير في هذا الوجود لا يكون إلا على مهل، وأن الإنسان، مهما أوتي من علم، ومهما علا من شأن، ومهما بلغ من سلطان، فليس إلا عابرًا فوق ثرىً قد يخفي من الأسرار أكثر مما تكشفه السماوات .. فامشِ الهُوَيْنَا ... فإن هذا التراب ربما كان من أهداب ساحرات الأحورار، وربما كانت الحقيقة أقرب إليك مما تظن، وأبعد عنك مما تتخيل.
▪️لا تنفكُّ من التجوال والارتحال من حالٍ إلى حال، نتجوَّل في متاهات السِّيمياء والخيمياء والكيمياء، ونعاين الأبعاد والأفلاك والأملاك، ونتجرأ إلى مكنون الكهنوت والملكوت واللاهوت، ونرى حقيقة النعوت والجبروت والطاغوت، ونعرف أسرار الفينيقي، والثالوث والسادوس والتاسوع، مَن هم إخوان الصفا وخلان الوفا والمبتدئون الثلاثة، وما يُخفيه الزوهار وإنجيل الحقيقة وأصحاب الطريقة، في رحلة شاقة من الصعيد بإسنا إلى نجع حمادي، إلى القاهرة، ثم إلى كندا، ثم إلى مرسى علم... إلخ، إلخ.
▪️ثم يؤكد لروحك أنه ومهما تكاثفت القضايا، وتعاظمت البلايا، وتتابعت العطايا، وارتقيت قمم المجد، أو هبطت دركات الفقد، فإنك ستقف في نهاية المطاف أمام حقيقةٍ واحدة، لا يملك العقل أن يفر منها، ولا يستطيع القلب أن ينكرها، ولا يجرؤ الفكر أن يتجاوزها؛ حقيقةٍ تختصر فلسفة هذا العالم كله، وتلخص سر بنائه، وهي أن الكون كله مرآةٌ لنفسه، وأن العوالم تتردد أصداؤها في بعضها بعضًا، وأن القانون الأزلي الذي يحكم الوجود، منذ فجر الخليقة إلى آخر النهايات، لا يزيد على أربع كلمات، لكنها تهز أركان الفكر المجرد البحت : "كما فوق ... كما تحت"
• ثم إياك أن تحكم على شيء من ظاهره
• ولا ترضى من العلم والســــر إلا ببواطنه
• وإيــاك والثقة بأي أحد إلا ذاتك وروحـــك
• ولا ترضى بمنـــــال قليــل لا يرقى لطموحك
▪️ما بين جيهان وإدريس كانت الرحلةً في غاية الغرابة، في خطين يسيران بالتوازي، كلٌّ منهما في جانب، كلٌّ منهما يقاتل، يواجه، يجابه نفسه أولًا، حقيقته ثانيًا، من حوله ثالثًا، ثم العالم بأسره .. ونحن معهم نعيش لحظات فرحهم وضحكهم، وحزنهم وغضبهم، وخيرهم وشرهم، نفرح حينا ونكمل أنينا..
..ليرسل كل واحدٍ من البطلين للعقول القارئة، والقلوب المنصتة، رسائلاً شتى من المستقبل إلى التاريخ، وما قبل التاريخ، في رحلةٍ عكسية طردية .. وهو أمرٌ عجيب، ولكن لا مكان هنا للعجيب، فأنتم في حضرة الأعجب.
▪️ما أشدَّ أن تكون ضحية، ثم تُستخدم طريقًا للعبور باسم النور إلى الظلام ، باسم الحق إلى الباطل، باسم الخير إلى الشر ، باسم الواقع إلى الخيال، باسم الممكن إلى المحال ... ثم تكتشف أنك كنت كذلك .. تهتز، تخاف، تغضب، تضطرب، ترتهب، لكن هي النفس، لا يثنيها كل ذلك عن الانتقام؛ تكوي من كواها، وتشكر من آواها، ولكن هذا إذا كانت النفوس سوية بتمام ، فإن جنحت، فعلى الدنيا السلام.
▪️بلغةٍ بسيطة، واضحة، سلسة، تحتاج إلى هدوء، ونفسٍ طويل، وصبر، وتفتقر إلى التحرير الدقيق، الذي يسهل تداركه .. كُتبت هذه الرواية بفكرةٍ عجيبة، غريبة، مكرورة في كثيرٍ مما قرأت، بأسلوبٍ جديد، بنمطٍ فريد، بخيالٍ بعيد، بوعيٍ رشيد، يستلهم من الفكرة أفكارًا، ومن الظواهر أسرارًا، ومن الظلمات أنوارًا .. قرأت الفكرة سابقًا، لكن هنا مضمونها مبهر، مكنونها أعمقُ ، أعلاها أغدقُ ، معناها أرق ، مبناها أدقُّ ، منتهاها أشقُّ تفتقر إلى يسير، وتمتاز بالكثير، ويعفو عن الأول الأخير...
..بحبكةٌ جيدة جداً، في جانبين، بطريقتين مختلفتين، بلسانين، ولكن بقلمٍ مبدع، وبخيطٍ ماهر، تعانقت الحكايات، وترابطت البدايات، فكوَّنت القضايا والأفكار، ما تطمح إليه الغايات ؛ حتى أتت النهاية ؛ مبهمةً، مفتوحةً، عقلانيةً، مجنونةً..اللهم إلا قليلاً سنشير إليه .
▪️بعض الملاحظات:
- تفتقر الرواية إلى تحرير أدبي محكم؛ إذ أثقلها الإسهاب، وأرهقها الإطناب، كما شابها عدد كبير من الهفوات اللغوية والإملائية التي كان التدقيق كفيلًا بتداركها.
- تعيد الرواية استهلاك كليشيه مألوف في أدب الغموض، وهو الكشف الأثري ، المخطوطة الغامضة والأستاذ الجامعي المتخصص في فك الشفرات، وإن عالجة بطريقة أخرى جيدة جداً ، لكنه مكرر .. غير مبتكر .
- يبدأ إدريس في كشف ماضيه لجيهان، بداية من علاقته بالدكتور يوسف يعقوب، مع أن السرد يؤكد أنها لا تعرف شيئًا عن ذلك الماضي، وهو انتقال كان يحتاج إلى تمهيد .. لأن الخطاب لها ليس لنا ..فصل 51
- يعتري الحبكة خلل في موضع حساب الزمن؛ فجيهان تقرر في رسالتها أنها تحتسب السنوات بمقدار دورة كوكبها حول الشمس، بما يكشف مبدأ احتساب الزمن لديها وأنها أرضية .. غير أن إدريس يغفل دلالة كلامها، ثم يعود لاحقًا ليستغرق في التساؤل عن كيفية احتساب الزمن في عالمها، مستدعيًا حديث والده، وكأن الرسالة لم تقل ذلك أصلًا؛ وهو تناقض يربك السرد ويضعف اتساق الحبكة..فصل 22 ، 48
▪️ اقتباسات:
_❞ كعادتها، لم تتوقف الشمس يومًا عن ممارسة هوايتها في البزوغ والأفول، كأنها ترس عملاق يدور في ساعة الزمن، يدفع البندول السرمدي للتأرجح بالبشر من حال إلى حال. ❝
_❞ لا شيء يضاهي الحب، إذا ألقى بسهامه وأصاب القلب تملكه، واستحوذ على العقل كأنه صفقة جانبية مجانية ❝
#أبجد
#أحمد_عبدالعزيز
#كما_فوق_كما_تحت
#مراجعات_محمود_توغان

