لعنة الخواجة > مراجعات رواية لعنة الخواجة > مراجعة Omnia Abubakr

لعنة الخواجة - وائل السمري
تحميل الكتاب

لعنة الخواجة

تأليف (تأليف) 4.2
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
5

اسم العمل: لعنة الخواجة

الكاتب: وائل السمري

عدد الصفحات: 672 (أبجد)

صادرة عن: المصرية اللبنانية

التقييم: ⭐⭐⭐⭐⭐

ثمة روايات ننهيها فنتجاوزها، وأخرى تترك في أرواحنا غصة شجن لا تنتهي بإغلاق الصفحة الأخيرة، هكذا كانت تجربتي مع "لعنة الخواجة" للكاتب "وائل السمري".

تبدأ الحكاية بـ "ناصر سعد الحسينى"، الصحفي الذي تضطره الظروف للعمل فى بيع الكتب، وتقوده الأقدار إلى أوراق الخواجة "أدريان دانينوس"؛ الرجل الذي وهب مصر فكرة "السد العالي" ثم سقط في غياهب النسيان.

الرواية ليست مجرد حدوتة مسلية تنتهي بكلمة تمت، بل هي تشريح دقيق لمنظومة كاملة بأسلوب رصين خال من الحشو، يملك "السمري" قدرة مذهلة على دمج التاريخ بالخيال والتشويق بأسلوب راقي وممتع جداً فالعمل ليس مجرد سرد لقصة إنما غزل متقن لخيوط السياسة بالاقتصاد، وكيف يمكن للاستبداد أن يوأد أحلام كان يمكن أن تغير وجه التاريخ، لقد شعرتُ بالوجع الحقيقي تجاه "دانينوس".

📌 دانينوس والمشهد البانورامي للمجتمع

لم تكن الرواية لتقف عند حدود الفكرة الفردية، لكن الكاتب يغزل خيوط متشابكة تدمج ببراعة فائقة بين الحياة السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية للمرحلة التاريخية، لم تكن السياسة أو الاقتصاد أرقام جافة، بل رأينا كيف انعكس الاستبداد السياسي والمصالح الاقتصادية الضيقة للرأسمالية والمنظومة الحاكمة على وأد المشاريع الضخمة، وكيف تشابكت مع الطقوس الاجتماعية والصالونات الثقافية لتعيد رسم مصائر البشر.

وفي قلب هذا الإعصار، تبرز شخصية المهندس اليوناني "أدريان دانينوس"، ذلك المبدع الذي امتلك رؤية سبقت عصره بمسافات، فدفع ضريبة عبقريته نكران واتهام بالجنون، لكنه يملك مثابرة أسطورية؛ فرغم الرفض، والتشكيك، والظروف المحبطة، ورغم أنه انتهى به المطاف منسي ومهمش، إلا أن اليأس لم يتمكن منه قط، وظل يعافر حتى الرمق الأخير إخلاصاً لفكرته التي آمن بها.

📌 مأساة وعي.. ولعنة عابرة للعصور

ماذا لو نقلنا أدريان دانينوس بزخمه، وعبقريته، وهوسه بالإبداع لعصرنا الحالي (عصر السوشيال ميديا، والذكاء الاصطناعي، والعولمة)، سألت نفسي ياترى السيناريو كان هيمشي إزاي؟ في رأيي، الموضوع كان هيبقى سلاح ذو حدين، ومصيره كان ممكن يتأرجح بين اتجاهين متناقضين تماماً:

▫️السيناريو الأول: انتصار العبقرية الرقمية (الجانب المشرق)

في عصرنا، دانينوس لن يحتاج انتظار موافقة موظف بيروقراطي أو سلطة مستبدة حتى يوصل فكرته. كان سيصنع تصاميم ومحاكاة ثلاثية الأبعاد لمشاريعه وينشرها على الإنترنت، وتتحول فكرته لتريند عالمي، ويمكن أن تتبناها شركات دولية أو منظمات مهتمة بالبيئة والطاقة المتجددة من خلال التمويل الجماعي. العصر الحالي يعطى للمبدع مساحة أن يتجاوز حدود بلده جغرافياً وسياسياً، وبالتالي المنظومة المحيطة لن تقدر على خنقه بسهولة.

▫️السيناريو الثاني: "لعنة" التريند والبيروقراطية الحديثة (الجانب المظلم)

هل العالم الحالي أرحم بالعباقرة؟ مش شرط!

دانينوس شخص جاد ومخلص لفكرته، وفي زمن التريند السريع، الأفكار العميقة والمشاريع الضخمة تظلم لصالح الاشياء السطحية، يمكن أن يتهموه بالجنون أو التهويل، لكن هذه المرة في الكومنتات وعلى المنصات! الاستبداد والمصالح الاقتصادية لم تختفى، فقط تغير شكلها واصبحت في صورة "شركات احتكارية كبرى" أو تعقيدات تمويلية وسياسية دولية، ومشروعه يعارض مصلحة قوة اقتصادية معينة، سيحاربوه بأساليب أذكى وأشرس (زي حملات التشويه الإلكتروني).

الخلاصة لعنة المبدع هي قدر حتمي، الأدوات والوسائل تتغير، من ورق وبريد وصالونات فكرية إلى شاشات وإنترنت وخوارزميات، لكن الصراع يظل؛ صراع الفكرة النقية الطموحة ضد واقع يقيدها.

دانينوس حالياً كان سيختصر سنين من العذاب في توصيل صوته، لكنه سيخوض معركة اخرى ليحمى فكرته من السرقة، لقد دفع ثمن أنه فكر خارج الصندوق في زمن كان الصندوق فيه مقفل بالحديد والنار والمحسوبية (التاريخ يعيد نفسه و مازالت اللعنة تسكننا)

العزاء الوحيد، هو إن الأفكار لا تموت، التاريخ يظلم المبدع في حياته، والاستبداد يمكن أن يجعله منسي ومهمش، لكن في النهاية، الفكرة تفرض نفسها والزمن يثبت صحتها، حتى لو جاء التكريم متأخر جداً.

📌 الجانب الإنساني المنسي خلف ضجيج الحلم

لا تكتمل صورة العبقري إلا برؤية الإنسان الذي يسكنه، لقد كانت الرواية مليئة بتفاصيل إنسانية عميقة؛ من حب "دانينوس" الذي انتهى بموت حبيبته وهو شاب، وتأخره في الزواج، وصول إلى حبه لزوجته ومساندتها له معنوياً ومادياً وتحملها لظروفه، وكذلك علاقة "ناصر" وزوجته التي كانت سند له؛ ولا يمكن نسيان علاقة "دانينوس" بوالده التي حملت الكثير من مشاعر الحب والامتنان، هذه التفاصيل الأسرية والوجدانية منحت العمل بُعداً إنسانياً جعلني أتعاطف مع الشخصيات كبشر يحلمون بالاستقرار بقدر ما يحلمون بتحقيق المشاريع، وأثبتت أن خلف كل قصة نجاح أو فشل عام، هناك قصة إنسانية هي المحرك الخفي للصمود.

🧊 رأيي الشخصي

استمتعت جدااا بقراءة الرواية (عملتلى حالة سلطنة)

"وائل السمري" يملك لغة رشيقة وذكية، أسلوب سلس، جذاب، دون حشو، وفي نفس الوقت غني بالثقافة والجمال الأدبي، ثقافة لم تظهر في صورة استعراض عضلات فكري يجهد القارئ، بل ظهرت في صورة سرد ممتع ومنساب، يجعلك تستمتع وتتعلم وتفكر، فهو نموذج مثالي للخلطة السحرية التى تنتج عن اندماج الموهبة الصحفية مع الموهبة الأدبية.

الصحفي دائما يبحث عن التفاصيل، يفتش في الأرشيف، ويبحث عن الوثائق المنسية، هذه القدرة التى جعلت الرواية غنية بالمعلومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومبنية على أساس متين دون أن تفقد متعتها الروائية.

اعجبتني جداً فكرة الجرعات المحسوبة وإيقاع التنقل بين الماضي والحاضر نجح في صنع مونتاج روائي مبهر؛ حيث يتنقل بنا بين الماضي والحاضر بأسلوب يمسك بتلابيب القارئ، فلا هو يغرق في الماضي، ولا هو يبتعد عن نبض الحاضر، وهو من أصعب التكنيكات على أي كاتب لو اختل الإيقاع، يتشتت القارئ ويشعر بملل ويفضل خط زمني عن الآخر لكن يوجد هنا ميزان حساس فى التنقل بين عالم "أدريان دانينوس" بزخمه وتاريخه وشجنه، وعالم "ناصر" بواقعه وتفاصيله، تبادل مبهر للأدوار، يجعل القارئ متلهفاً طوال الوقت لسماع البطلين معاً، كان ينهى المشهد عند نقطة تجعلك متشوق "لدانينوس" ومربوطة أيضاً بمصير "ناصر" رغم اختلاف الحقب، إلا إن الخيط الإنساني المشترك كان واصل ومحسوس جداً، (المبدعون يحملون نفس الوعي الذي يتحول إلى لعنة على صاحبه).

اغلقت الرواية وانا اشعر بـ غصة على الفرص الضائعة في تاريخ الأوطان.

أصعب ما في قصة دانينوس هو شعور الـ (ماذا لو؟).. ماذا لو تم الاستماع إلى هذا الرجل في وقته؟ ماذا لو لم تصطدم عبقريته بـ "الثالوث المعطل" (الاستبداد السياسي، والمصالح الاقتصادية الضيقة، والركود الاجتماعي)؟ الرواية تعري حقيقة تاريخية مريرة: إن العبقرية وحدها لا تكفي، طالما أن الاستبداد يجهض الأفكار العظيمة وهى في المهد لمجرد إنها لا تخدم مصالح السلطة.

نجح الكاتب بامتياز في إن يجعلنى اعيش المأساة بكل جوارحى، وجعلنى أرى الرابط بين كسر حلم دانينوس وبين وضع المجتمع، ثم جاءت النهاية لأعود إلى أرض الواقع (النهاية رغم أنها مؤلمة وناصر صعب عليا لكنها منطقية جدا).

"لعنة الخواجة" ليست مجرد رواية تاريخية، بل هي مرآة للفرص الضائعة في تاريخنا، لقد منحتني هذه القراءة حالة من المتعة الفكرية، وأجبرتني على رؤية واقعنا بعيون أكثر وعي، شكراً "وائل السمري" على هذا العمل الذي سيظل يتردد صداه في وجداني طويلاً.

Facebook Twitter Link .
0 يوافقون
اضف تعليق