1️⃣ الموضوع : قراءة نقدية
2️⃣ العمل : رواية " عكس اتجاه الصخب"
3️⃣ التصنيف : نفسية ـ اجتماعية
4️⃣ الكاتب : Amr Hamdoon Donkol
5️⃣ الصفحات : 222 Abjjad | أبجد
6️⃣ سنة النشر : 2026 م
7️⃣ الناشر : دار إشراقة ـ زكي محمد
8️⃣ التقييم : ⭐⭐⭐⭐
▪️بسم الله أحاول قدر المستطاع ، أن أعود إلى دربي بعد انقطاع ، إلى الركن الذي إليه آوي ، وأخلع عنده ثوب المساوي ، وأرى فيه روحي كلما ضاقت حياتي ، وأطلق فيه جموحي حتى مماتي ، إلى وطنٍ فيه درجت ، ومنه خرجت إلى سمت الجمال ، وغاية الكمال ، ونهاية الفوارق ، وبداية الطوارق ، عند شاحذة الهمم ، ورافعة القمم .. عدت من حيث موطن الصخب إلى عكس الاتجاه ، علَّني ألين أستكين أقول: آمنت بالله... حتى وقعت في قلب الضجيج.
▪️ليس أخطر ما في الضجيج أنه يُسمَع ، بل أخطر ما فيه أنه يُورَث ؛ فلا يعود صوتًا يقرع الآذان ، وإنما يصير فكرةً تستعمر الأذهان ، وجرحًا يتناسل في الوجدان ، حتى يغدو الإنسان ضوضاءً تمشي على الأقدام، وصخبًا يعلو هامة الإقدام، يتنفس في جسدٍ ملعون ، ظاهره الحكمة ، وباطنه الجنون.
▪️ومن هنا تبدأ رواية «عكس اتجاه الصخب»، لا من عنوانها، ولا من غلافها، ولا حتى من جريمتها الأولى، وإنما من الخديعة الكبرى التي نصبها عمرو دنقل لقارئه؛ إذ أوهمه أنه مقبل على رحلة هروبٍ من الصخب، فإذا به يُلقى في قلب العاصفة، ويُزج به في أتون الناسفة، ويُغلق عليه باب الرواية كما تُغلق أبواب القبر على الحكاية، فلا يملك من أمره إلا ذاكرة فيها فيها قدراً مثقوباً، ووعيًا محجوباً، وعقلًا منكوبًا، ويقينًا معيوباً ، لا يكاد يصمد أمام أول سؤال.
▪️عنوانٌ بحجم الفلسفة... وحكايةٌ بحجم الإنسان
«عكس اتجاه الصخب»؛ أهو عنوانٌ صارخٌ يسلب تحت وطأته الآذان، أم مشروعٌ فكري يحمل في ألفاظه الإنسان، أم وعدٌ بأننا أمام رحلةٍ تراجع ضجيج الحضارة، وصخب السياسة، وعنف التاريخ، وضوضاء الذات؟ .. إنه عنوانٌ يفتح أبواب التأويل على مصاريعها، حتى لخِلتُني مقبلًا على روايةٍ تحلل الإنسان في صراعه مع العالم، فإذا بالكاتب يفاجئنا بأن معركته الحقيقية ليست مع العالم، وإنما مع عقل رجلٍ واحد.
▪️وهنا تكمن أولى المفارقات؛ فكلما ارتفع العنوان، ضاقت الحكاية، وكلما اتسعت الفكرة، انكمش الحدث، حتى بدا لي ـ وأنا أطوي الصفحة الأخيرة ـ أن العنوان كان أعظم من المتن، وأن الفكرة كانت أرحب من القصة، وأن الوعد سبق الإنجاز بخطوات فكأن الكاتب شيد قبة عملاقة، وعلق بها مصباحاً صغيراً .. وليس في هذا انتقاصٌ من الرواية، بقدر ما هو الثمن الذي تدفعه الأعمال التي ترفع سقف التوقعات منذ عنوانها وغلافها.
▪️روايةٌ أدبية نفسية اجتماعية تدور حول طاهر محمد علوي ، الذي تتآكل ذاكرته تحت وطأة المرض، فيعيش معلقًا بين ذكرى النكسة وواقع الثورة، وبين هزائم الأمس المنكوب ، وصخب الحاضر المغضوب ، يبدأ الحكاية بجريمة قتلٍ غامضة، ثم يأخذ القارئ في متاهةٍ يتعانق فيها الواقع بالهذيان ، والذاكرة بالنسيان، بينما يتنقل البطل بين زنزانته وليدة عقله، وأحداثٍ مفصلية تهز التاريخ وأصله . وفي رحلةٍ مشحونة بالشك والقلق، يصبح السؤال .. أيُّ ما نراه حقيقة وأيُّه ألق ، وأيُّه صدى لعقلٍ أنهكته الهزائم حتى فقد يقينه بنفسه وبالعزائم؟
▪️من أعظم ما أنجزه عمرو دنقل، في تقديري ، ليس بناء الحبكة المتينة بخبرة البناة ، ، ولا السلاسة السردية رغم تعدد الرواة ، ولا رسم الشخصيات وتحليلها بعين الوهم على لسان الواقع ، وإنما تلك القدرة على اختطاف وعي القارئ والسامع .. لقد جعلنا نرى بعينٍ مريضة، ونحاكم بعقلٍ مختل ، ونوقن بأوهامٍ لم تقع، ونتعاطف مع مجنون بالوجع ، حتى لم نعد نقرأ الرواية، بل صرنا نعيشها .. نسمع نجمع ، نناقش ندافع ، نحقق ندقق ….
▪️أما اللغة: فلحن معزوف على أوتار القلوب ، لغة الرواية قوية ، سلسة ، جزلة ، ؛ فقد قرأت فيها صفحاتٍ لو انتُزعت من سياقها، لكانت من أجمل ما قرأت في السرد المعاصر فهي عبارة عن سيمفونية إبداعية مثل:
❞ رأيتُ أماراتِ العَوَز صارخَة على الأبدان ❝ .. لغةٌ شفافة، متينة، مشبعةٌ بالصور، تنساب حينًا كالماء الجرار، وتهوي حينًا كالسيف البتار .. ثم لا يلبث هذا البهاء أن يتكسر فجأة، فتظهر عباراتٌ تقريرية، وألفاظٌ دون مستوى السياق، وجملٌ كأنها خرجت من مسودةٍ لم تُراجع .. وكأن الرواية كُتبت بقلمين؛ قلمِ شاعرٍ يعرف كيف يروض اللغة، وقلمِ راوٍ استعجل الوصول إلى الفكرة..مثل:❞ انتشالُ مَن جُبروا على العيش في غياهِب الظلام ❝.
▪️رواية هي ، يقرؤها البعض على أنها تتكلم عن الفصام، وهولاء قد ظلموها، وآخرون يرونها تتكلم عن الربيع العربي، وهم قد اختزلوها ، أو تجمع بينهما وأولئك قد كفروها .. والحق أنها روايةٌ عن اختناق اليقين، وندرة الضمين، وخذلان الذاكرة ، ولعنة الحاضرة ، وخوفٍ خفي، وقهرٍ عتي، ووعيٍ زاد عن حده، فانقلب الحال إلى ضده، ففقد الإنسان ثقته في ذاكرته، وأقرب الناس إليه، وأبعدهم عنه، ثم في العالمين ، فاستحال علمه جهالة، وشبابه كهولة ، وماضيه سراب ، ومستقبله ضباب ، وحقيقته أوهام ، وإقدامه إحجام ، وخلفه أمام ، وعزمه سكـــــون ، ووعيه جنـــــون.
▪️ اقتباسات:
❞ مَن منّا بلا خطيئةٍ مُخجلة في حياته؟ الغِواية لم تخسْر مطلقًا؛ ربَّما لم تحقِّق النصرَ التام، لكنها كذلك لم تُهزَم. حتى هؤلاء الرهبان المختبئون خلف مُسوحِهم في حياتهم ما تقشعرُّ منه جلودُ أعْتى المجرمين. ❝
❞ (قبلَ أن تؤدّي مشهدًا ما على مَسرح الحياة، تأكَّدْ من رضاك عن الخاتمة؛ إن لم تكنْ تستحقُّ فلا تفعل). ❝
❞ لا كراهةَ بغير علَّة، ولا هياَم بلا دافع؛ حتى لو بدَا لنا في بعض الأحيان أننا نعشقُ أو نَكره مِن دون أسباب. صدِّقوني، لو تمعَّنا جيّدًا سنجدُ ذَريعةً ما لهذه الأحاسيس؛ ❝
#أبجد
#عمرو_دنقل
#عكس_اتجاه_الصخب
#مراجعات_محمود_توغان

