ليس كل غيابٍ رحيلًا، بعض الغياب يبدأ ونحن ما زلنا هنا… نرى، ونذكر، ونتآكل بصمت.
في غيبة مي، تفتح لنا نجوى بركات بابًا مواربًا على ذلك الفراغ الذي يبدأ صغيرًا في الروح، ثم يتّسع حتى يبتلع العمر كلّه. هناك، في المسافة المعلّقة بين الذاكرة والنسيان، تقف ميّ، امرأةٌ أثقلها الزمن حتى غدت أشبه بظلٍّ يتكئ على ما تبقّى منه.
كانت ميّ حالةٌ إنسانية كاملة، هشاشةٌ تمشي على قدمين، وخوفٌ قديم من ذلك المصير الذي ينتظرنا جميعًا: أن يتسرب العالم من بين أيدينا، وأن نصحو ذات يوم فلا نجد إلا بقايا أنفسنا.
من شقتها المطلة على بيروت، لا تبدو المدينة سوى امتدادٍ لخرابها الداخلي: جدرانٌ تحفظ الصدى أكثر مما تحفظ الحياة، وذكرياتٌ تعود كطيورٍ شاردة، لا لتؤنسها، بل لتذكّرها بما ضاع. هنا لا تكتب نجوى بركات الشيخوخة بوصفها سنًّا، بل بوصفها فقدًا متدرجًا، فقدًا للناس، ولليقين، وللأسماء التي كانت يومًا جزءًا من نبض القلب.
ما يوجع في هذه الرواية أن الألم فيها لا يصرخ، بل يتسرّب. يأتيك هادئًا، وئيدًا، كالماء الذي ينحت الصخر بصبرٍ لا يُرى. السرد نفسه متكسّر، متشظٍّ، كذاكرة مي؛ فلا تمضي في الحكاية مستقيمًا، بل تتعثر فيها، وتعود، وتتيه، كأن الكاتبة أرادتك أن تعيش الضياع لا أن تشهده فقط.
وفي كل صفحة، كنت أشعر أن الرواية لا تسأل عن مي وحدها، بل عنّا نحن أيضًا:
متى يبدأ الغياب؟
أحين يغادرنا الناس، أم حين نبدأ نحن بالتلاشي من داخلنا؟
غيبة مي ليست رواية عن الشيخوخة بقدر ما هي مرثية مبكرة للإنسان وهو يفقد نفسه ببطء، ويقبض على ما تبقّى منه بأصابع ترتجف.
ولأن بعض الكتب لا تُقرأ فقط، بل تُعاش بكل ما فيها من وجعٍ وارتباك وصدق…
قررت أن أعيش غيبة مي على تطبيق أبجد مسموعة، علّ الصوت يمنح هذا الغياب حياةً أخرى…
