عن البيوت حين تغدو أرواحاً، وعن الأمان حين يغدو سراباً.
لو قُدّر للجدران أن تفيض بالحديث، لقصّت علينا أن البيوت ليست حجارةً مرصوصة، بل هي جلودنا الثانية التي نستر بها عري أرواحنا أمام عواصف الحياة. في هذه الرواية، نحن أمام رحلةٍ وجودية تبدأ من صرخة الميلاد وتستمر حتى وهن الشيخوخة، يرويها بطلٌ لم يذق طعم الاستقرار يوماً؛ فقد كان مأواه الأول "إيجاراً"، ظلاً زائلاً يهدده الرحيل في كل لحظة، وسقفاً يرتجف خلفه الأمانُ خوفاً من سطوة مالكٍ دجالٍ لا يعرف للرحمة سبيلاً.
تمضي بنا الأحداث مع هذا الشاب وهو يطارد حلم الملكية، ظناً منه أن الجدران العالية في المجمعات السكنية الفاخرة (الكومباوند) هي الترياق لخوفه القديم. لكنه حين ملك الحجر، أدرك بأسى أن الأمان ليس صكاً يُشترى، بل هو طمأنينة سكنت طفولتنا يوماً ثم ضاعت في زحام العمر. فكيف يستعيد المرء وطناً صار مجرد ذكرى؟
صاغ الكاتب هذه الرواية بصدقٍ جارح، فجاءت مرآةً لآلام جيلٍ كامل من الشباب؛ جيلٍ يتخبط في موجات الضياع، ويطارد وجهته المفقودة بين اضطراب الشباب وهواجس المشيب.
اما بالنسبة للغة العمل فهي لغةٌ عذبة، تنساب في رقةٍ لتصل إلى أعماق النفس، بعيدة عن التعقيد، قريبة من نبض الشارع وهموم الناس.
لم يكتفِ الكاتب بسرد الأحداث، بل غاص في "سيكولوجية الفقد". ستجد تحليلاً دقيقاً لكيفية تأثير عدم الاستقرار السكني على بناء الشخصية، وكيف يتحول الخوف من الطرد إلى "فوبيا" تلازم الإنسان في علاقاته وقراراته المهنية والاجتماعية.
كما ان الكاتب برع في استخدام الحواس؛ فوصف الروائح، أصوات الجيران، ملمس الحوائط القديمة، وصوت المفاتيح في الأبواب، كلها تفاصيل تجعل القارئ يستحضر ذكرياته الشخصية، وكأن الرواية لا تتحدث عن بطلها فحسب، بل عن كل من قرأها.
البطل هنا ليس "سوبر هيرو" يتجاوز أزماته بسهولة، بل هو إنسان هش، يخطئ، ويضعف، ويشعر بالهزيمة حتى وهو في قمة نجاحه المادي. هذه الإنسانية المفرطة هي ما تجعل القارئ يتوحد معه تماماً.
هي الخطوة الأولى للكاتب في عالم الرواية، لكنها خطوة واثقة ومبهرة، مع التنبيه إلى أن الرواية لم تخلُ من جرأةٍ في بعض مشاهدها (+18)، مما يجعلها تتطلب قارئاً بمواصفات خاصة تدرك طبيعة هذا الطرح الواقعي.
التقييم: 5/5
#malakelkafrawey #qoutes #photography #bookstgram #bookrecommendat

