سقف تحت الأرض مجموغة قصصيَّة يطوف فيها كاتبها نوَّار الماغوط على نماذج متعدِّدة من آلام متعدِّدة من بني البشر، ويرسم فيها ملامح واقعيَّة من شقاء الإنسان وعذاباته منذ طفولته الأولى في الأرياف الفقيرة إلى رحلة البحث عن الحبِّ والعمل وإثبات الذَّات في فتوَّته الأولى في مدينة جميلة مثل دمشق .
الشُّخوص في هذه المجموعة القصصيَّة نماذج واقعيَّة شهدت تحوُّلات المجتمع السُّوريِّ وصراع ثنائيَّاته المتناقضة، تلك الَّتي تختلف حدَّة الجدل بين طرفيها من ثنائيَّة إلى أخرى؛ كالرِّيف والمدينة والسِّلم والحرب والغربة والانتماء؛ وبرغم اختلاف حدَّة الجدل والتَّناقض يبقى السَّرد الفيَّاض بمشاعر الحب والألم والحنين والانتماء قاسمًا مشتركًا في القصص كلِّها؛ بدءًا من الحدث في قصَّة (العيد الأخير كما رواه لي أبي)، فهذا الحدث وإن بدا تقليديًّأ فإنَّه يكتسب جماله من بساطته وصدقه وعفويَّته وقربه من قلب القارئ؛ لتغدو القصَّة أشبه بنجوى غنائيَّة ذاتيَّة، يحنُّ فيها الكاتب والقارئ معًا إلى أيَّام العيد خلال الطُّفولة الأولى في الأرياف الفقيرة.....
وفي قصَّتي: (ليلى) و(شهرزاد) ينتقد الكاتب الإهمال من خلال نماذج واقعيَّة تحكي عن إهمال الأطبَّاء في الأرياف الفقيرة والقرى النَّائية، وتروي عذابات الإنسان الفقير ومتاعب الإنسان النَّاشئ على الشَّرف والمبادئ والقيم النَّبيلة كما في قصَّة (نصف نعل). وكلَّما تقدَّمتَ في قراءة قصص هذه المجموعة ستجد امتزاج آلام الواقع بحكمة شخصيَّات اختبرت الحياة وعرفتها بعدما عركتها؛ يطوف بك بين آلام آل الماغوط: محمَّد وعيسى ونوَّار؛ فتتذكَّر آلام فرتر وغيرها من نماذج الألم الشَّهيرة في الأدب العالميِّ حين تقرأ عن إنسان تطبع قدماه شيئًا من سيرته الذَّاتيَّة في دروب الشَّقاء والألم خلال حياته المعذَّبة واختباره صراع الطَّبقات الاجتماعيَّة في مدينة مثل حلب مع وجود لصوص العقارات المدعومين من السُّلطة المستبدَّة والفالتين من كلِّ عقاب؛ لتزيد بعد ذلك فكرة البحث عن العدالة المفقودة من حدَّة الألم ومعاناة النَّماذج الواقعيَّة في قصَّة (سقف تحت الأرض) وغيرها من القصص الشَّيِّقة في هذه المجموعة.
وعلى الرَّاجح أنَّك ستتَّفق مع بعض هذه الشَّخصيَّات في هذه المجموعة القصصيَّة عندما تستنج من قصَّة (شجرة) أنَّ الأشياء لا تقاس دائمًا بقيمتها المادِّيَّة، أنت بحاجة للحبِّ المتجسِّد بكلمات بسيطة، أنت بحاجة للدَّواء من اللَّوز المرِّ، الَّذي تنتجه شجرة ظلمتها الحياة، ووضعها قدرها في تربة صخريَّة مالحة...وإن شاع قياس الأشياء بقيمتها المادِّيَّة ...يبقى التَّعميم آفة.....أنت بحاجة للمشاعر العميقة الصَّادقة وإن كانت بسيطة أو لا قيمة لها مقارنة بالأشياء المادِّيَّة كيلا تتحوَّل الحياة إلى ما يشبه الجحيم، وكيلا يصبح البشر أشبه بروبوتات في معامل؛ حتَّى لا تفقد الحياة معناها أو جانبها الرُّوحيِّ الجميل....ومع ذلك يبقى للحياة قانونها القاسي في تقييم الأشياء مادِّيًا....وينتقد هذه المجموعة الطَّمع وشرور النَّفس الإنسانيَّة فمن خلال قصَّة (الأخوين والبقرة)، ولا يفوِّت كاتبها نقد الأساليب التَّقليديَّة في التَّربية والتَّعليم بدءًا من نقد استخدام الضَّرب في المدارس إلى ضرورة التَّسلُّح بالوعي خلال بناء الأسرة وتربية الأولاد على القيم والمبادئ
القراءة في تجارب شخصيَّات هذه المجموعة القصصيَّة ومعايشة عذاباتها وآلامها أجمل من الكتابة عنها؛ لذلك لا يمكنني أن أعدَّ كتابتي حول المجموعة القصصيَّة هذه إلَّأ دعوة لقراءتها ومعايشة بعض الآلام الكامنة وراء كتابتها؛ ولأنَّ القراءة أو التَّلقِّي إعادة إنتاج للقصَّة لا تغني قراءة هذه المقدِّمة عن معايشة متعة السَّرد عند قراءة القصص المتعدِّدة في هذه المجموعة

