ماذا لو كان أخطر سجن في العالم ليس الذي أغلقت أبوابه بالمفاتيح بل ذلك الصخب الذي يسكن رأسك ولا يسمعه أحد سواك؟ وكم مرة أنقذنا التجاهل من مواجهة أشياء لا نريد فهمها، وكم مرة قادنا الإصرار على الفهم إلى حافة الجنون؟
ماذا لو كان أخطر سجن في العالم ليس الذي أغلقت أبوابه بالمفاتيح بل ذلك الصخب الذي يسكن رأسك ولا يسمعه أحد سواك؟ وكم مرة أنقذنا التجاهل من مواجهة أشياء لا نريد فهمها؟
وكم مرة قادنا الإصرار على الفهم إلى حافة الجنون؟
عكس اتجاه الصخب
رواية نفسية فلسفية يرويها لنا الكاتب عمرو دنقل بشكل مغاير تماما على لسان راوي مضطرب غير موثوق
فلا تدور حول جريمة غامضة بالعكس منذ الوهلة الأولى تجده صريح معك تماما بافتتاحية مثيرة واعتراف منه
"❞ قتلتُ البدينة؛ هذا ما حدثَ ببساطة، مِن دون موارَبة أو تجميل. ❝
إلا ان سهولة الاعتراف لن تروي ظمأك لمعرفة ما يحدث بتلك السهولة و هكذا امتازت الرواية
ثلاثة فصول مكثفة مكتوبة بحرفية 👌🏻 لكن عزيزي القاريء انتبه فأنت ستتوه وستشعر بالأضطراب وكأنك داخل عقل طاهر علوي وستدفعك التساؤلات لسرعة القراءة بحثا منك عن "فك اللغز" فلا يغرنك رجاحه كلامه الموزون وأمانيه التي قد تبدو مشروعه في كثير من الأوقات
حين يصبح العقل سجن
لا يقدم الكاتب السجن باعتباره مكان بل باعتباره حالة ذهنية. فكلما حاول طاهر الهرب من سجنه الخارجي بدا وكأنه يركض داخل متاهة صنعها عقله بنفسه ومع تقدم الأحداث يصبح الصخب الحقيقي ليس ما يدور في الشوارع أو الميادين بل ما يدور داخل رأسه.
❞ تركتُ أبنائي على أملِ عودةٍ جديدة أكون فيها أفضل حالا، حددت طريقي عكس اتجاه الصخب "
اعتراف يفتح أبواب الشك
الرواية لن تمنحك إجابات جاهزة بل تدفعك باستمرار إلى التشكيك في كل ما يبدو واضح حتى الاعتراف الأول الذي يبدو صادم في بساطته لا يستخدم كحقيقة نهائية بل كبوابة لأسئلة أكثر تعقيد
ما الذي يدفع إنسان ليقول "قتلت البدينة" بهذه البساطة؟ وهل الفعل نفسه هو الجريمة أم ما يسبقه من انهيار داخلي طويل لا نراه؟
ومع تقدم السرد الذكي الماكر المتلاعب، يبدأ الغموض الحقيقي في التشكل حول "ما الذي حدث داخل هذا العقل ليجعل كل هذا ممكنًا؟"
ثم تسحبك الرواية شيئا فشيئا في كشف طبقة أعمق من ذاكرة طاهر ذاكرته المبتورة التي بترت وتوقفت عند الماضي، مثقلة بعدم القدرة على المغفرة" و كأن ما يتذكره لا يستدعى الفهم بقدر ما يستدعى الإدانة.
فتجد أن ذاكرته ليست مساحة لاستعادة ما مضى بل ساحة مواجهة لا تهدأ و كل مشهد فيها كأنه حكم لم يتم تنفيذه
ناهد الخطيئة التي لم تغفر
❞ أوقنُ أنَّ التجاهل هو سبيلُنا الوحيد لتَمرير ما يَستحيل فهمُه. لكنني عجزتُ عن القيامِ بذلك. أنا مدفوعٌ بقوّةٍ لا أستطيع ردّها أو تجاهلها ❝
❞ ذاتَ ليلةٍ تملّكني اليأسُ إلى حدِّ اشتهاء الإدانَة ❝
أكثر ما لفت انتباهي في شخصية طاهر ليس مرضه النفسي بل عجزه عن الغفران
فبينما تبدو المأساة العائلية أكبر من أن يتحملها شخص واحد
يصر عقله على البحث عن مذنب واضح يحمل ذنب كل الخراب الذي حدث ولهذا تتحول ناهد إلى خطيئة ووعاء يحمل غضبا عمره سنوات
ولم يكتفي طاهر بالإدانة بل بالعقوبة القاسية وهو ما رسمه الكاتب ببراعة شديدة في عقل طاهر في نهاية الفصل الثاني لدرجة إنها أصابتني بالألم من مجرد تصورها.
الصخب الذي يسير طاهر عكسه
لا يبدو عنوان الرواية اختيار عابر فالصخب حاضر في كل مكان في التاريخ وفي الثورة وفي الذاكرة وفي الأفكار التي تملأ رأس البطل وبينما يظن طاهر أنه يسير عكس صخب العالم نكتشف أنه كان يحاول النجاة من صخب داخلي أشد قسوة لا يمكن الهروب منه.
معاناة رُسمت منذ الطفولة
المسخ
من أكثر الشخصيات التي أثارت اهتمامي شخصية "المسخ" التي يمكن قراءتها بأكثر من طريقة
هل هو كيان مستقل؟ أم صوت اخر داخل عقل طاهر؟ أم الوجه الذي يظهر حين تعجز النفس عن التعايش مع آلامها؟ أم هو ضمير طاهر؟
الحوار
من أمتع فصول الرواية بالنسبة لي جزء المحاكمة، حوار ذكي رصين مميز به نماذج محاكمة تحمل أقاويل وتأويلات شديدة العمق، ومن الجدير بالذكر اهتمام الكاتب بذكر محاكمة الطيارين الأربعة
النهاية
نهاية قوية مفاجئة فككت لي العديد من الأسئلة، لم أخرج منها وأنا أفكر في المرض النفسي بقدر ما فكرت في هشاشة الإنسان في قدرتنا المدهشة على إعادة تفسير الماضي وفي الجروح التي نظن أننا تجاوزناها بينما تظل تشكل حياتنا لذلك لم أرى طاهر مجرد مريض بل إنسانا ظل يطارد شبحا قديما حتى فقد الطريق.
هذه أول رواية أقرأها للكاتب وبالتأكيد لن تكون الأخيرة
اقتباسات
❞ صدِّقوني، لو تمعَّنا جيّدًا سنجدُ ذَريعةً ما لهذه الأحاسيس؛ قد تكون مَخفيَّة في داخل النفس، وهذا بالطبع لا ينفي وجودَها. كلُّ ما في الأمر أننا لم نصلْ إلى كُنهها بعد، والبعضُ يعزّي ذلك إلى أسبابٍ ماورائيَّة! ❝
❞ لو امتلكتُ فرصةً للاختيار ما بين الاختفاءِ الجزئي والتَّلاشي التام؛ لاخترتُ الأخير. ذاكرةٌ ميتَة تمامًا ستكون أفضلَ من تاريخٍ مَبتور. ❝
❞ أمرٌ شاقٌّ أن تكون مسئولًا عن البَشر وأنت لا تملكُ مقاليدَ حُكمهم، بل إنك لا تمتلكُ زمامَ نفسك ❝
❞ أنا لا أثقُ في الإدراك، بل إنني أكاد أشكُّ في وجودكم، غير أنني سأتعامَل مع ظني بأنكم واقع مَلموس، فإن كنتُ موجودًا بالنسبة إليكم فهذه أفكاري وهذا ما حدَث، وإن كنتُم مَوجودين فستسمعون. ❝
#عكس_اتجاه_الصخب
#عمرو_دنقل
#مسابقة_عكس_اتجاه_الصخب
#هبةالعتر

