كوم النور : عباس حلمي الثاني > مراجعات رواية كوم النور : عباس حلمي الثاني > مراجعة Omnia Abubakr

كوم النور : عباس حلمي الثاني - ريم بسيوني
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
5

اسم العمل:كوم النور

الكاتبة: د/ريم بسيونى

عدد الصفحات:592(أبجد)

صادرة عن:نهضة مصر

التقييم:⭐⭐⭐⭐⭐

❞ هنا رجل لم يخفْ، هنا رجل أدرك أن الحرية هي كل العمر، هنا صديق وونس، يتكلم لغتنا، ويشرب من مياهنا. عباس حلمي سيبقى، حتى لو طرده الإنجليز، وحتى لو مسح فؤاد اسمه من الشوارع والمدارس والجسور. ❝

"كوم النور"رواية نابضة بالحياة، ليست مجرد توثيق لحقبة تاريخية، إنما إعادة اعتبار إنسانية وأدبية لخديوي ظُلم حياً وميتاً، لم تسقط الرواية في فخ السرد التاريخي الجاف أو الاكتفاء برصد المعارك السياسية والقرارات الرسمية، بل لعبت فيها الكاتبة" ريم بسيوني "دور "البهلوانة أم الشعور"؛ حيث وقفت ببراعة مذهلة على الحبل المشدود بين السرد التاريخي الرائع وبين البعد الإنساني، لتكشف لنا عن الروح المجهولة للخديوي "عباس حلمي الثاني"؛ الإنسان الذي تخفى خلف التاج، وعاش وحيداً، ومات غريباً، دون أن ينكسر كبرياؤه، جعلتني أنغمس في القصة كأنني عشتها ولمستها بنفسي، وشعرت بكل لحظة انكسار، ووجع، ووحدة، وخذلان، تماماً كما عشت معها لحظات القوة والشموخ.

الرواية تُظهر لنا رجل يمتلك مشاعر، مخاوف، وأحلام بسيطة، لكنه مجبر طوال الوقت على إخفائها خلف قناع الخديوي الصارم. هذا التناقض بين ما يشعر به "عباس" كإنسان وبين ما يفرضه عليه منصبه كحاكم ،(أصعب المشاعر الإنسانية هي أن تملك القوة نظرياً وتكون عاجزاً عملياً)، برعت الرواية في تصوير مشاعر الإحباط والضيق في لحظات خلوته، وتأمله، وانفعالاته العفوية بعيداً عن بروتوكولات القصر الرسمية، مما جعلنا نرى "عباس حلمي" كإنسان من لحم ودم، نخطئ معه، ونشعر بقلة حيلته، ونتعاطف مع أزماته النفسية.

هذه اللمسة هي التي جعلت "كوم النور" رواية إنسانية صادقة عن الانتماء وليست كتاب تاريخ صامت عن الدهاء السياسي والمؤتمرات ..

الرواية جعلتني أدرك حقيقة مؤلمة، حياة "عباس حلمي الثاني" براقة جداً من بعيد، لكن ما إن اقتربت منها فهمت أنه بريق نيران تحرق قلبه! نيران الحلم الضائع، والنفي، والغربة، واحتلال الوطن، وخذلان الأحبة، لقد اجتمعت كل انكسارات الدنيا على هذا الرجل، فقط لأنه أراد الكرامة، والحرية، والعدالة، والاستقلال لوطنه وشعبه.. فقط لأنه أحب هذه الأرض من كل جوارحه.

كيف صُنعت هذه الشخصية ؟

🪞 طفولة صارمة وحِمل مبكر

لم يعش" عباس حلمي الثاني"طفولة طبيعية؛ فقد زرعت والدته "أمينة هانم إلهامي" (أم المحسنين)، في داخله كبرياءً وطنياً شديداً، وشعوراً طاغياً بالمسؤولية، ربته بصرامة مطلقة وجدية شديدة بهدف واحد صناعة خديوي وولى عهد، حُرم الطفل من التلقائية واللعب، ونشأ وسط بروتوكولات جافة أثقلت كاهله الصغير بالواجب والمسؤولية قبل أوانه، هذه التربية الموجهة بالكامل نحو السلطة والعرش جعلته ينمو ونصب عينيه دائماً "الواجب" وليس "الرغبة"، وعززت لديه الشعور بالوحدة والغربة حتى وهو وسط حاشيته، لأنه كان يُنظر إليه دائماً كمنصب مستقبلي وليس كطفل، لكن في ظل هذا المحيط الصارم،وسط جفاف القصر كان هناك ملاذ الدفء الإنساني وأحد أجمل الخطوط الإنسانية وأكثرها عذوبة، علاقة الخديوى" عباس بأخته الأميرة "نعمة الله " التى كانت هي مساحته الآمنة وملاذه الدافئ الوحيد؛ الشخص الذي لم ينظر إليه كـ "منصب" أو "سلطة"، بل كأخ، أمامها فقط كان الخديوي يخلع قناع الصارم ويكون دون قيد أو تصنع كانت (حبيت علاقتهم ببعض جدااا 🥰)

يتضاعف العبء بإرساله مغترب في سن مبكرة لتلقي تعليم عسكري صارم في فيينا، ليفاجأ وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره بوفاة والده الخديوي توفيق عام 1892، وجد الشاب الصغير نفسه فجأة جالساً على عرش بلد يموج بالاضطرابات، ومحاصر باحتلال بريطاني شرس يفرض عليه الوصاية والتقييد منذ اللحظة الأولى، لكن رغم نشأته الملكية وتعليمه الأوروبي، كان" عباس حلمي الثاني" مصرياً حتى النخاع، يربط كرامته الشخصية بكرامة شعب مصر

لم يكن يشبه والده" توفيق" في ضعفه وخضوعه للإحتلال وارتمائه في أحضانه لحماية عرشه بعد الثورة العرابية، لأنه رأى في هذا الخضوع مأساة أدت لضياع هيبة مصر، فرفض تماماً أن يكرر نفس الدور أو يكون مجرد دمية في يد الإحتلال، ولم يشبه جده " إسماعيل"الذي قاده طموحه المعماري والسياسي الهائل إلى الغرق في الديون التي كانت الذريعة الأولى لدخول الإحتلال.

🪞الثعلب السياسي: اللعب بسلاح القانون

أكثر ما أبهرني وأثار إعجابي الشديد في شخصيته هو شجاعته وعناده وتمردّه على اللورد كرومر، تكمن المتعة السياسية في دهاء ومكر" عباس حلمي الثاني" خلال تعامله مع اللورد كرومر لقد فهم الخديوي الشاب العقلية الغربية، وقرر ألا يدخل في صدام عسكري مباشر يسحقه، بل حارب البريطانيين بسلاحهم المفضل: "الديمقراطية والقوانين".

كان سياسياً بارع ومناورذكي؛ يفعل ما يريد في الخفاء من تمويل الحركة الوطنية وتحريض الصحافة ورجالها ك"مصطفى كامل" و"على يوسف "،ثم يقابل كرومر في العلن ببراءة دبلوماسية وإنكار تام، مطالب باحترام القوانين وحرية الرأي! كان يلسع الاحتلال بسياطه القانونية وبابتسامة هادئة تعلو وجهه، متلاعب بالوزارات ومقيل للموالين للإنجليز في كل ثغرة دستورية تتاح له(كان صايع أوى بيلعبهم بسلاحهم😂) ،لم يكن من الحكام الذين يرتضون أن يكونوا مجرد "ستار" يوقع على قرارات المحتل. منذ اللحظة الأولى لتوليه العرش، كان يرى في التدخل البريطاني إهانة لسيادة مصر وكرامتها، ورفض بكل جوارحه أن يعامل كـ خديوي مقيد في بلده، مما جعل الإنجليز يدركون مبكراً أنهم أمام حاكم عنيد لا يمكن شراؤه أو تطويعه

🪞معركة الهوية: البناء والتعليم رغماً عن أنف المحتل

أدرك "عباس "أن مواجهة الإحتلال لا تكون بالشعارات فقط، بل ببناء حضارة راسخة تثبت أن الهوية المصرية ممتدة منذ الأزل، وتجلى ذلك في منشآته الإعمارية العظيمة:

▫️بنى قصر وحدائق المنتزه في الإسكندرية كمنارة للجمال.

▫️رمم الآثار والمساجد القديمة، ليعيد لمصر روحها.

▫️أسس دار الآثار العربية (المتحف الإسلامي) ليرسخ الهوية أمام محاولات الطمس البريطانية.

▫️ أنشأ كوبري أكتوبر وكوبري عباس وقصر القبة

▫️وبذل أمواله الخاصة لبناء الجامعة المصرية(جامعة القاهرة حالياً)، متحدياً تعنت الإنجليز الذين حاربوا الفكرة لنشر الجهل، لتبنى الجامعة رغم عن أنفهم وتصبح مصنع للوعي والحرية.

🪞نساء في حياة الخديوي: بين القيد، الثورة، والوفاء

حتى في علاقاته وزوجاته، كانت حياته تضج بالدراما الإنسانية التي تكشف تقلبات قلبه:

▫️إقبال هانم: (الزوجة الأولى والواجب المفروض)

كانت جارية من أصل شركسي، أهدتها له الوالدة باشا "أمينة إلهامي"، كانت زواج الواجب والبروتوكول المفروض عليه من والدته، وعاش معها قيود القصر بلا شغف، برغم مكانتها كأم أولاده.

▫️جاويدان (ماري): الكونتيسة المجرية المثقفة، التي مثل زواجه منها قمة التمرد والعناد ضد تقاليد والدته ومؤامرات الإنجليز، كانت الحب العاصف، التمرد، العناد، والند الفكري الذي تحدى به الجميع، لكنها في النهاية خذلته وانفصلت عنه لترسم أولى جراح قلبه العاطفية.

▫️أندريه: شابة فرنسية أحبها وتزوجها في منفاه، لم تعش معه بريق السلطة بل عاشت معه مرارة الغربة والوحدة، وظلت زوجته المخلصة والوفية حتى اختطفها الموت قبل رحيله بعام أو عامين، فكانت وفاتها هي القشة التي قصمت ظهر قلبه الوحيد.

🪞 النهاية.. الصمود حتى الرمق الأخير

النهاية مؤلمة، الفترة الأخيرة من حياة الخديوي أبكتني بحرقة، كيف تظلم الحياة رجلاً بهذه الطريقة؟

لم يكن النفى مجرد إبعاد جغرافي، بل هو انتزاع الروح من الجسد، عندما أُزيح عن العرش عام 1914 أثناء وجوده في الخارج وصدر قرار منعه من العودة إلى مصر، لم يفقد تاجه فحسب، بل فقد هويته وأرضه التي تربى على عشقها.

المعادلة جائرة جداً: حكم مصر 23 سنة، ومُنع من دخولها 30 سنة!

ثلاثون عاماً في المنفى تكبلت فيها الحياة عليه؛ أُبعد عن وطنه، تعرض لمحاولة اغتيال تركت رصاصاتها أثراً في جسده، وتركه وخانه كل من حوله بعد زوال السلطة، حُرم من رؤية ابنه، وحُرم حتى من وداع والدته ودفنها، وظل يتنقل من دولة إلى أخرى وهو يحمل كفنه معه في يخته حتى مات وحيداً غريباً في جنيف عام 1944 دون أن يرى النيل للمرة الأخيرة، وعادت أخته "نعمة الله" برفاته إلى مصر بعد عامين.

أنهيتُ الرواية والدموع تغرق عيني، وغصة مريرة تقف في حلقي، كانت هناك أمنية وحيدة تكبر بداخلي طوال السطور،أمنية بلقاء مستحيل يجمعني بهذا الخديوي والإنسان الفريد من نوعه، صاحب التركيبة الشخصية المختلفة التي لن تتكرر، الذي ظل مختلفاً من بداية حياته وحتى مماته؛ تكبلت عليه الحياة لكنه لم يتغير ولم ينكسر ظل ثابت، صامد بكبريائه الوطني، يرفض مهادنة المحتل مقابل استعادة أملاكه، حتى رحيله

كيف صاغت ريم بسيوني كل هذا التخبط بين السلطة والكرامة الإنسانية؟

وكيف تركت في روحي أثراً لن يمحى، وجعلتني أنحني احتراماً وشجناً لذكرى حاكم ومصري عظيم، ظُلم حياً وميتاً، لكنه عاش ومات عزيزاً.

#رحلة_كوم_النور_في_الفنجان

#فنجان_قهوة_وكتاب

#كوم_النور

#ريم_بسيوني

Facebook Twitter Link .
0 يوافقون
اضف تعليق