《جريمتان في جريمة》
ربما من سوء حظي أني قرأت للكاتبة نهى داود روايتها قبل الأخيرة "ذبابة زرقاء" أولًا، ثم عدت بالزمن للوراء وبالتحديد عام ٢٠٢٤ لقراءة رواية "جريمة السيدة ه" الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية. وعلى الرغم من أن الفاصل الزمني بين صدور الروايتين ليس كبيرًا - عامان تقريبًا - إلا أن الفارق بينهما واضح وبشدة لصالح "ذبابة زرقاء"، التي كانت أكثر نضجًا، وتطورًا، وتنظيمًا، وحرفية من حيث الفكرة، والبناء الدرامي، والحبكة، وحتى اللغة.
وسأتوقف قليلًا مع عنصر اللغة، فأنا أميل لاستخدام لغة متزنة ومتناسبة حواريًا وسرديًا. فعندما تكون لغة الحوار عامية كما جاء في الرواية مثل "مش - أومال - حتتهم"، ولغة السرد فصحى مثل "سفعاء الخدين - أشيب الفودين - دلف - حدج وغيرها"، تحدث هوة بين اللغتين. ولجسر هذه الهوة، علينا إما أن نرتفع بلغة الحوار قليلًا، أو نتجنب الإفراط في استخدام الكلمات المقعرة في السرد.
لكن هذا لا ينتقص من براعة نهى داود في تأليف الروايات البوليسية وأدب الجريمة، فكتاباتها تتسم بالإثارة والتشويق وأجواء الغموض، فضلًا عن حنكتها في توسيع دائرة المشتبه فيهم والإبقاء عليها مفتوحة حتى الصفحات الأخيرة، بحيث يمتلك كل مشتبه به ما يكفي من الدوافع والملابسات التي تجعله مرشحًا محتملًا لارتكاب الجريمة، دون أن يتمكن القارئ من استبعاد أحدهم بصورة قاطعة.
تدور الرواية حول الموظفة هاجر التي تُتهم بقتل زميلها هاني، حيث كان بينهما إعجاب متبادل قبل أن تتزوج هي من ابن خالتها وتصبح أمًا لبنتين. أشارت الأدلة إلى ثبوت التهمة عليها، فبصماتها موجودة على القضيب المعدني الذي تم قتل المتهم به في جراج العمل بعد انتهاء ورديتها المسائية. كما أظهرت الكاميرات وجودها في موقع الجريمة وقت حدوثها، فضلًا عن شهادة عبير عاملة النظافة التي تصادف وجودها في الجراج قبل وقوع الجريمة.
فهل هاجر هي القاتل الحقيقي؟! أم أن هناك ملابسات عديدة خفية في القضية سيتم الكشف عنها شيئًا فشيئًا مع تتابع الأحداث وتسارعها؟ وإن لم تكن هاجر مذنبة، فما هي جريمتها إذن التي جعلت الكاتبة تختارها اسمًا لروايتها؟
وفي ظني، أو هكذا قرأتها أنا - وقد أكون مخطئًا - أن جريمة هاجر الحقيقية التي قصدتها الكاتبة هي جريمة أخلاقية بعدما سمحت للمجني عليه هاني بالاقتراب منها جسديًا وعاطفيًا، متناسيةً أو متغافلةً أنها أم وزوجة - حتى وإن شاب زواجها في فتراته الأخيرة بعض الفتور والملل - وهو ما جعلها أول من وُجّهت إليه أصابع الاتهام.
حافظت الكاتبة على حالة الشك طوال الأحداث، فلم تكن هناك ثغرات أو دلائل حاسمة يستطيع القارئ النفاذ منها لتحديد هوية الجاني، إلى أن وصلنا إلى الأمتار الأخيرة حيث بدأت الصورة تتضح وتم الكشف عن هوية القاتل، الذي لم أتوقعه نهائيًا، وهو ما يدل على متانة البناء الدرامي للعمل.
كذلك، من الجوانب المضيئة أن الكاتبة استطاعت أن تنقل لنا أجواء سجن النساء وكواليس الحياة داخله، حيث عرضت لنا مجموعة من القصص لسجينات يعانين من ظلم المجتمع لهن وأخطائهن في حق أنفسهن، مع اختلاف وتنوع الجرائم التي ارتكبنها.
ولعل أكثر ما أعجبني في الرواية أنها لا تقدم جريمة واحدة فحسب، بل جريمتين متوازيتين؛ الأولى جنائية يسعى الجميع إلى كشف مرتكبها، والثانية أخلاقية أو عاطفية، وهي التي جعلت هاجر نفسها تقف في قفص الاتهام منذ البداية، حتى قبل أن تُعرف حقيقة القاتل.
رواية خفيفة تنتهي معك في جلسة واحدة أو جلستين على الأكثر، وتصلح أن تكون فاصلًا بين قراءتين ثقيلتين. ورغم أنها تقع في ٢٢٨ صفحة، إلا أن الصفحات غير ممتلئة بالكلام، ما يشعرك أن حجمها الفعلي لا يزيد عن ١٥٠ أو ١٦٠ صفحة على أقصى تقدير.
في المجمل، أراها رواية بوليسية مشوقة، تنجح في إبقاء القارئ في حالة شك حتى صفحاتها الأخيرة، ولذلك أرشحها لأعضاء الجروب ومحبي أدب الجريمة والغموض.

