أنا ملك القارئة المصرية التي تفتش دائماً في طيات الكتب عن نبض إنساني صادق، وجدت نفسي وجهاً لوجه أمام تجربة أدبية مغايرة تنبض من قلب الأردن الشقيق. لطالما آمنتُ أن الأدب لا يعترف بالحدود، لكنني حين شرعتُ في قراءة هذا العمل، شعرتُ وكأنني أفتح باباً سرياً يفصل بين زمنين وبلدين، لأكتشف أن عتمة الزنزانة واحدة، وأن أنين القضبان لا تتغير نبرته وإن تبدلت الأوطان.
تنبعث جذوة الأحداث من واقع حقيقي جرت فصوله المشحونة في ردهات سجن إربد غداة عام 1977م. وبطل هذه الرحلة هو شاب نزيل نبيل تقاذفته الخطوب ليزج به في غيابة المعتقل على خلفية أفكاره السياسية ونزوعه نحو رفض إعلان الولاء للسلطة. وتتزامن هذه الخطوب مع أحداث سياسية كبرى هزت المدرجة العربية آنذاك، مما ألقى بظلاله الكثيفة على نقاشات السجناء وسجالاتهم الفكرية داخل مجتمعهم المصغر. بيد أن النص لا ينكفئ على نعت التنكيل الجسدي أو صنف العذاب المادي الفج، بل يغوص الكاتب بلطائف حبره في كوامن الروح، مستكنا إلى نفسيات السجناء وحيواتهم الباطنة. فيتتبع منازع أحلامهم، وصبوات أفئدتهم، وتأرجحهم بين ذكريات مدينتهم المحبوبة، وبين أريج الياسمين الذي تستدعيه المخيلة لتكسر به حدة الانفراد وطول النوى. وفي قلب هذا الضيق المحكوم بالأسوار، ينبثق رفيق استثنائي يلقب بالقط. وما هذا الرفيق بمقدم لصاحبه حلولا حسية، بل هو يبث في النفس عنفوان الأنفة ومعنى التحرر برذاذ الإرادة، مبرهنا له أن جوهر الإنسان روح مجنحة لا خضوع لها لقيود الطين وحبس البدن. يتتشابك البطل مع حكايات رفاقه في المعتقل، لتتصاعد الأنفاس تدريجيا نحو فوضى عارمة تدب داخل الأسوار، وتفتح معها الأبواب نحو مصير مرتقب ومغامرة جريئة للانعتاق.
وفي الحقيقة لا أملك إلا أن أُشيد بعبقرية هذا البناء الروائي الفذ. فقد صاغ الكاتب من عذابات المعتقل ملحمةً وجودية باهرة، تمسك بتلابيب الروح وتهز أركان الوجدان هزاً. إنها تجربة إبداعية عاتية استبدّت بنفَسي، وجعلتني أقتفي أثر خطى البطل بقلبٍ وجل وعينٍ شاخصة، تقديراً لهذا الصدق الفني المنسكب بين السطور. غير أن رحلتي في ردهات هذا العمل لم تخلُ من عقبةٍ كؤود، إذ إن الكاتب قد مزج الفصحى بعبق اللهجة الأردنية، وهو ما أحدث غباشاً ولبساً لدى ذائقتي المصرية التي لم تألف عادات اللسان الأردني فاستغلق عليّ فكّ بعض الرموز اللغوية، واستعصى عليّ إدراك مراميها من الوهلة الأولى، مما تطلب مني جُهداً مضاعفاً في التأمل والتدبر لتجاوز هذه الهوة اللسانية.
التقييم: 4/5
#malakelkafrawey
#booklover
#bookstgram #qoutes

