اخي وارضي –حكاية من فلسطين
MY Brother MY Land- Story from Palestine
سامي هرمز بالتعاون مع سيرين صوالحة
منشورات تكوين
عدد 464 صفحة
نشر عام 2025 الطبعة الاولى
الكتاب رقم 15 من العام 2026
تطبيق أبجد.
للحظة ستنسى من يسيطر حقًّا على هذه الأرض. الطبيعة حولك قناعٌ يخفي السياسة المتشابكة فيها، وللحظة ستغدو معذورًا إن نسيت أنَّ هذا المدى في واقعه جدران سجنٍ كبير، أنَّ الأرض الممتدة تُصَيَّر يومًا بعد يوم أرضًا يستوطنها الغرباء. ربما هذا القناع رحمةٌ من الطبيعة، تمنح بها الناس لحظات من النسيان تصبِّرهم على تحمُّل الحقيقة بقية اليوم.
الطبيعة حولك قناعٌ يخفي السياسة المتشابكة فيها، وللحظة ستغدو معذورًا إن نسيت أنَّ هذا المدى في واقعه جدران سجنٍ كبير، أنَّ الأرض الممتدة تُصَيَّر يومًا بعد يوم أرضًا يستوطنها الغرباء. ربما هذا القناع رحمةٌ من الطبيعة، تمنح بها الناس لحظات من النسيان تصبِّرهم على تحمُّل الحقيقة بقية اليوم..
يدور العمل حول حياة عائلة صوالحة في قرية كُفر راعي في قضاء جنين، حيث يمتد مما قبل 1948- الى يومنا الحاضر 2025 ويتتبع العائلة من البداية الى النهاية، ويناقش تمزّق الذات والعائلة نتيجة تمدد الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي.، ويركّز في ثلثيه على حياة إياد صوالحة وتنقلاته الحزبية في مقاومته المسلّحة للاحتلال، وحياة أولئك الذين ارتبطوا بحياته على نحو حميمي حتى لحظة اغتياله في أوج الانتفاضة الثانية في التاسع من تشرين الثاني/ نوفمبر 2002.
هو كتاب مهّم جدًّا لفهم ما يجري الآن على الارض المحتلة. كتبه سامي هرمز، أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة نورث ويسترن في قطر، بمعاونة سيرين صوالحة، وهي فلسطينية تدرس في أميركا، وتعمل في الأمم المتحدة، جمعتها الظروف بهرمز أثناء دراسته في برستون، ويبدو أنه شغف بقصة عائلة الصوالحة؛ أهل سيرين، فراح يستمع إليها على مدار عشرين عامًا. ما ينبهنا قبل الشروع في القراءة إلى مدى أهمية القصة التي بين أيدينا وصلاحيتها لتعميم الصراع الدائر في فلسطين، إذ ظلت المسودات تروح وتجيء بين هرمز وسيرين لاستكشاف قصة شعب بأكمله كما أخبرتها سيرين، وذلك بين دفتي كتاب يحمل العنوان الدال "أخي، أرضي: قصة من فلسطين"، لقد كان صراعًا حقيقيًا طوال العشرين عامًا، يعترف هرمز، "لكنني شعرت أنني حصلت على هدية قيمة رغم هول المسؤولية. أعتقد أن مهمة تأليف كتاب مشترك بدت مرهقة في بعض الأحيان، ولكني سعيد حقًا لأنه اكتمل.
يستمد الكتاب مادته من قصصٍ واقعية تحكيها سيرين لهرمز، لا بغرض التسلية والاستمتاع، كما حال شهريار المضطجع على فراشه الوثير، وإنما ليعاد تمثلها من خلال شخص محايد يستمع ويواصل البحث في الأرشيفات، ما يبرئه من هنات عدة، لعل أهمها المغالاة والتباكي والتحيز. بالإضافة إلى قصص خرافية من التراث الإنساني كانت سيرين يومًا ما ترويها لأخيها الأصغر إياد المعتقل الآن في سجون إسرائيل، منها قصة الشاطر حسن، والصعاب التي واجهها كي يحرر الجوهرة المسروقة. لقد تمكن الشاطر، عبر طريقه المحفوف بالمخاطر، من مناورة سبعة ضباع يحرسون تلالًا سبعة، وعاد سالمًا بالجوهرة ليفوز ببنت الملك ويعيشان في ثبات ونبات. مثل هذه الحكايات تنبثق هي وغيرها من ألوان القص الشفهي والمذكرات والحوارات، من الحكاية الكبرى التي تمثل الإطار العريض الجامع بينها. وهي قصة مقاومة فريدة من نوعها، عن عائلة فلسطينية متعددة الأجيال اختارت وقت التهجير في نكسة 67، العودة إلى أرضها وتحمل التبعات كاملة.
يأتي كتاب «أخي وأرضي، حكاية من فلسطين» لسيرين صوالحة وسامي هرمز بوصفه شهادةً عائليّةً وحكايةً جماعيةً في آن، تسرد رحلة الذاكرة الفلسطينية الأولى وحتى زمننا الراهن. يؤرخ الكتاب لعائلة صوالحة وسيرة ابنها إياد، المقاوم الذي واجه الاحتلال حتى استشهاده، ولكنه أيضًا يوثق أرشيفًا عاطفيًّا للحياة اليومية الفلسطينية، مواسم الزيتون، وحصاد الزعتر، وأصوات القرى، وقلق العائلات تحت الحصار والاعتقال. تقوم قوة النص على ثنائية السرد الذي يجمع بين صوت سيرين بذكرياتها الشخصية التي تحمل حميمية البيت والطفولة، وصوت هرمز الباحث الذي يضع هذه الذكريات ضمن سياقها السياسي والتاريخي. ومن خلال هذا التناوب يتشكل نص صاخب، مليء بالانقطاعات والمفاجآت، يعكس بصدق طبيعة الحياة الفلسطينية التي وصفها إدوارد سعيد في مختلف كتاباته بأنها حياة ممزقة وغير متصلة، وكل إقامة يسعى إليها الفلسطيني هي منفى." تتمة المراجعة تجدونها
كما يبدو من العنوان، فإن الأخ هو المحور الذي تدور حوله الأحداث كافة. وإياد أخو سيرين أحد المطاردين، نزحت عائلته على مدار عقود، وبقيت نواة الصوالحة، الجد والجدة، ومعهم أسرة إياد، في قرية كفر راعي الفلسطينية، يواصلون بدأب زراعة أشجار الفواكه، وحصد الزيتون الذي يحمل هوية شعب بأكمله. في تعليق له، كتب الإعلامي باسم يوسف: "ضع قليلًا من الزيت" هو الرد على كل شيء في فلسطين. جوعان؟ تناول قليلًا من الزيت. مريض؟ دلك به موضع وجعك. هل تريد أن تشعر بتحسن تجاه العالم؟ الزيت قديم قدم الأرض موجود لأجلك. إنها ليست مجرد أشجار زيتون. إنها عائلتك. نذرت نفسها لإطعامك وشفائك ورعايتك.
ولد إياد عام 1974، في ظروف خانقة، تكاد تنعدم فرصه هو وغيره من الشباب الفلسطينيين، في تغييرها، ومع تصميمه على البقاء واستعادة أرضه كما هو متوقع من أي رجل شجاع، وجد نفسه في وضع محرج عند كل منعطف بسبب نقاط التفتيش العسكرية والجدران الخرسانية والأسوار والحواجز والقوانين والسلطة التي تخفي رعبها في تعمد إذلالهم، سواء بالضرب، أو الاعتقال.
كان كل طريق يسلكه إياد يحفزه على الثورة ويشحنه بفورات من الغضب. في مقال لبريان تان جواي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ويلفريد لوريير، يرصد خيبة أمل إياد وغيره على النحو التالي: "لقد غيرت النكبة، إلى جانب حرب الأيام الستة عام 1967، واتفاقيات أوسلو عام 1993، الخريطة، ومعها حياة وآمال أجيال من الفلسطينيين. لطالما أثبت الفلسطينيون قدرتهم على المقاومة، لكن قدرتهم على التحمل دفعوا ثمنها باهظًا من الدماء والخسارة والسلب وخيبة الأمل. ومن أجل فرض تفوقها، قامت إسرائيل ببناء دولة حامية شديدة بدعم دولي ثابت وسخي، وخاصة من الولايات المتحدة". وهنا يقرر إياد المجازفة، وتعريض نفسه وأهله للخطر المباشر، وذلك بالانضمام إلى حركة الجهاد الإسلامي، وتبرير العنف للوصول إلى الغاية. وما بين طرفة عين وغمضتها يتحول الشاب الطموح إلى مطارد، ويصبح في عرف إسرائيل إرهابيًا وقاتلًا، فينتهي به المطاف معتقلًا في السجون الإسرائيلية.
يفتتح الكتاب في أكثر الأماكن عدائية، وفق تصنيف المكان ودلالاته في الأدب. نحن في قاعة الزوار في سجن إسرائيلي، حيث يجلس إياد لأول مرة مع أمه وأخته بعد سنوات طويلة في المعتقل. كانت آخر مرة تلتقي به سيرين، تتذكر، منذ عقد ونصف العقد، قبل سفرها إلى أميركا، ولم يفتها مدى اغتباطه بنجاح أخت له في اجتياز الحدود إلى مكان آمن. بعد عام واحد من سفرها، تفاجأت سيرين باعتقال أخيها. وها هي تنجح اليوم فقط في زيارته دون قضبان. لكن نجاح سيرين في مجرد الجلوس وجهًا لوجه مع أخيها، واحتضانه ولمسه، لا يتحقق إلا بمنتهى الصعوبة، وعبر رحلة تشبه رحلة متشابكة ، تبدأ من أول النهار، وتنتهي في آخره، بسبب العوائق تلو العوائق بلا نهاية تقريبًا.
برغم الفرحة والبشاشة البادية على وجه الشاب لأن شيئًا جديدًا يحدث، وربما يساعده على الخروج من السجن الذي أكل أجمل سنوات حياته، سرعان ما يفقد الحديث حيويته، وتعاد الأسئلة نفسها عن صحته وطعامه واحتياجاته، ثم تنتبه المرأتان لقبضة الجدران من حولهما والحضور المزعج البغيض للحراس، وقبل أن ترحلا، يتعلق إياد بأخته، ويتوسل لإطلاق سراحه، فلا تجد سيرين مفرًا من أن تطمئنه بأنها ستفعل.
البداية قبل نكسة 1967 كما هي بعدها! فبينما تتسلل حينها امرأة فلسطينية شابة إلى قريتها (كفر راعي) في قضاء جنين، عائدة من المنفى عبر مجرى نهر الأردن مشياً على قدميها، وهي تجرّ خلفها أطفالها الثلاث الجائعات، في تحدٍ لتقارير الحرب المعلنة، والمخاطر التي لم تكن لتُحمد عقباها، وهي عازمة على الاحتفاظ بأرضها مهما كلف الثمن.. تستكمل ابنتها الكبرى (سيرين أحمد يوسف صوالحة) قصّ ما جرى فيما بعد من أحداث على مدى عقود، تضاءل فيها نصيب الفرح لكل فرد من أفراد العائلة البالغ عددهم ثلاثة عشر إضافة إلى الوالدين، لصالح الشقاء، بينما توجّهم جميعاً شرف التمسك بالأرض حتى آخر رمق.. الأرض التي زرعوها وحصدوا ثمارها، والتي من جانب آخر ارتوت بدم ابنهم الشاب (إياد) الذي انخرط في أعمال المقاومة المسلحة، حيث جاء عنوان القصة يمثلهما خير تمثيل (أخي، أرضي: قصة من فلسطين وهي القصة العائلية التي لا بد وأن تتقاطع مع الكثير من قصص كفاح العوائل الفلسطينية التي تشكل في طابعها العام تاريخ فلسطين تحت نير الاحتلال الصهيوني على أرضها التاريخية.
إذاً، يتصدر الأخ بطولة القصة الذي حين تزوره أخته في سجنه بتهمة المقاومة مع فصائل (الفهد الأسود) التابعة لحركة التحرير الوطني، لأول مرة بعد مرور أكثر من عقد على زواجها وهجرتها إلى أمريكا، تسترجع بطولات القصص الأسطورية التي كانت تقصّها عليه في صغره، وقد كان الطفل الذي تشرّب غضب اغتصاب الأرض وشهد على مقتل الأهل وتشرّد الجمع وخيبات الاتفاقيات المبرمة، حتى أصبح أمامها الشاب الذي حمل روحه على كفه، فطورد واعتقل وعذّب! وفي حين يتم الإفراج عنه ضمن صفقة لإطلاق سراح السجناء، تجده يرفض عروض الهجرة وفرص الدراسة والعمل، ويتبنى بدلاً عنها التوجه الديني في حياته وفي مقاومته تحت لواء سرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي، فيتمرد على كل ما هو قانون بأمر السلطة، ويتخطى الحواجز ويراوغ مراكز التفتيش، ويتقن صنع العبوات الناسفة، وينخرط في عمليات الاغتيال والتفجير والتفخيخ، فيغيب عن أهله أياماً طوال ليعود إليهم في لحظات لا يُعلم من أين أتى وأين سيذهب، وهو الذي لم ينسّ نصيبه من الدنيا فأصر على الزواج ممن رق لها قلبه.. حتى تتم محاصرته في حصنه الأخير ويسلّم روحه، مكبّراً لله، بخمس عشرة رصاصة من رصاص العدو! تقول أخته عنه وهو الذي لا يزال اسمه يتردد صداه في قريتهم، وتطلقه أجيال المقاومة الشابة على فصائلهم: «لقد قاتل إياد من أجلنا جميعاً ومات وحيداً».
وبينما يستفتح المؤلف القصة بمقولة تُنسب لثائر فلسطيني مجهول الهوية مفادها «الحب هو دافعنا وليس الكراهية، ولهذا السبب سوف ننتصر»، يرفق إشادة المؤرخ الإسرائيلي (إيلان بابيه) المعروف بمواقفه الداعمة للفلسطينيين ضد الصهيونية، الذي قال: «إن رواية (أخي أرضي) تتحدى كل من يرغب في النظر إلى الفلسطينيين باعتبارهم مجرد ضحايا بلا إرادة. فهي تروي تاريخ فلسطين منذ النكبة، وتسلط الضوء على الكيفية التي قوبل بها التهجير والظلم اللاإنساني بالتضامن واللطف، وقبل كل شيء بالحب. إنها قصة مفجعة، ولكنها أيضاً تترك الأمل في استمرار النضال العادل حتى يأتي التحرير الكامل».
تموج القصة بتحديات صراع البقاء اليومي مع ما هي عليه الحياة الاجتماعية والأحوال الاقتصادية في فلسطين أمام آلة الاحتلال، وتعقيدات المصالح السياسية مقابل عمليات المقاومة المسلحة وما ينبثق عنهما بالضرورة من تناقضات وإشكاليات أخلاقية، والتصور العام للمأزق الفلسطيني الذي لا بد وأن يشرعن استمرارية النضال بكافة أشكاله.. يمزجها جميعاً -من خلال معالجة واعية وحبكة متسلسلة تاريخياً مشوبة بالكثير من العاطفة، مع السرد الشيق للراوية الرئيسية سيرين- عالم الأنثروبولوجي بجامعة نورث ويسترن في قطر (د. سامي هرمز)، وقد بدا شغوفاً حين ألهمته حكايات سيرين بالكتابة، وأميناً في نقل قصة مثالية تجسّد فلسطين وصمود الفلسطينيين.
أما أبلغ ما قيل في تلك اللحظات الصامتة التي زارا فيها المقبرة: «نقف أمام شاهدي قبر إياد. أحدهما يشير إليه باعتباره شهيداً في الجهاد الإسلامي، ومهندس سيارات مفخخة، وأسطورة في العمليات الاستشهادية، وقائداً لسرايا القدس. استشهد بتاريخ 9 نوفمبر 2002م، أما النص الموجود على شاهد القبر الآخر فهو أقصر وأكثر كلاسيكية، ويذكر اسمه باعتباره الشهيد البطل: (الشهيد البطل إياد أحمد يوسف صوالحة، استشهد بتاريخ 4 رمضان 1423هـ)».

