أنهيتُ الجزء الأول من رواية **"أسفار مدينة الطين" (سفر العباءة)**، وانطباعي عنه يتلخص في الآتي:
تتجلى في الرواية براعة لغوية مهولة، تعكس حجم التطور والنضج الذي وصل إليه الروائي الكويتي سعود السنعوسي بعد التألق اللغوي المشهود في روايته السابقة "ناقة صالحة". والرواية محبوكة بشكل متقن يذكرني بروايات عبد الرحمن منيف من حيث الدسامة الروائية والإيقاع المتأني؛ إذ تسير الأحداث بتؤدة وتأنٍ، سواء في طريقة بناء الشخصيات أو في السرد بتقنية "القطع والاسترجاع"؛ حيث يعتمد السنعوسي في هذا العمل على بنية زمنية غير خطية (مُتكسرة). فلا تسير الأحداث في خط مستقيم من الماضي إلى الحاضر، بل يتم استخدام "القطع" لتعطيل التدفق الزمني الحالي، والارتداد إلى الوراء (الاسترجاع) لتفسير الحاضر أو كشف أسرار الشخصيات.
كما أن الرواية تعتمد تقنية "الميتا-سرد"، أي وعي الكاتب بعملية الكتابة وتدخله الصريح فيها. وتظهر هذه التقنية بشكل جليّ في النص؛ حيث لا يكتفي الكاتب بسرد الأحداث، بل يتدخل "صادق بوحدب" (كاتب الأسفار داخل الرواية) ليعلن للمستمع أو القارئ أنه هو من يحرّك الشخصيات، ويتحكم بمصائرها، ويملي عليها أفعالها وحواراتها حبراً على الورق. وهو أسلوب ذكي جداً من الكاتب لتفادي أو استباق الرقابة الأدبية لإصدار الأحكام على الرواية، لاسيما من خلال التوضيحات الهامشية التي نُسبت إلى محرر وزارة الإعلام، وبعض الجمل التي طُمست عمداً في متن الرواية.
وتتأسس الرواية كذلك على بناء عالم أسطوري موازٍ للواقع مأخوذ من الخرافات الشعبية؛ حيث تبرز مخلوقات ليست من البشر ولا من الجن كـ "الصاجات"، وأيام خيالية خارج الرزنامة الطبيعية للبشر، فضلاً عن كائنات أسطورية وقوى سحرية خارقة.
أما ما لم يعجبني في الرواية، فهو أسلوب صياغة هواجس الشخصيات وتدفق أفكارها—ولا أعلم إن كان هذا الأسلوب هو ما يُعرف أدبياً بـ "تيار الوعي" أم لا ولكن بدا لي هذا الأسلوب مركباً ومعقداً بعض الشيء، وكان الجانب الأقل متعة في الرواية بالنسبة لي.
في المحصلة، إنها رواية الكويت بامتياز، تماماً كما كانت "مدن الملح" لمنيف رواية الجزيرة العربية، و"أرض السواد" لمنيف أيضاً رواية العراق. وفي لقاء قريب مع بقية الأجزاء: "سفر التبة" و"سفر العنفوز" إن شاء الله.

