رجل النظام البوليسي Child 44 > مراجعات رواية رجل النظام البوليسي Child 44 > مراجعة Bassem Khalil

رجل النظام البوليسي Child 44 - توم روب سميث
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
4

《في زمنٍ كان مجرد التفكير جريمة》

إن ما دفعني لقراءة رواية "رجل النظام البوليسي" للكاتب الإنجليزي توم روب سميث، ليس لكونها رواية يمكن وضعها تحت خانة أدب الجريمة والغموض، بل لأن الأحداث تدور خلال الحقبة الستالينية، والتي بدت لي بطلًا موازيًا للرواية نفسها، لا مجرد خلفية تجري فيها الأحداث، أو هكذا قرأتها على الأقل، وهو ما أضفى على العمل صبغة سياسية واجتماعية زادت من متعة القراءة وحلاوتها. ويكفيك، إن أردت أن تعرف فظائع ومآسي عصر جوزيف ستالين، أن تقرأ الحقائق والأرقام المفجعة التي أوردها الكاتب في نهاية الكتاب عن المجازر والفظائع والجرائم الوحشية التي ارتكبها هذا النظام الفاشي، وهي إحصاءات مفزعة إلى حد دفعني إلى إرفاق صور صفحاتها الثلاث مع هذه المراجعة، لما تحمله من أرقام يصعب على المرء استيعابها أو تصديقها للوهلة الأولى.

فما حكايتنا إذن؟!

يعود بنا الكاتب إلى العام ١٩٣٣ - إبان حكم ستالين للاتحاد السوفيتي آنذاك - حيث وقعت المجاعة الكبرى، التي كان من إحدى نتائجها الكارثية انتشار جرائم أكل البشر. بل الأدهى من ذلك أن بعض الأسر كانت تقوم باختطاف أطفال آخرين ليقدموهم طعامًا لأطفالهم.

ليس هذا فحسب، بل إن ذلك النظام القمعي قد زرع في قلوب الناس عمدًا الخوف والرعب والفزع، فمجرد الاشتباه في عدم الولاء للدولة، وقول الكلمة الخطأ في الوقت الخطأ، يمكن أن يُرسل شخصًا بريئًا إلى حتفه. الأنكى من ذلك أن الاعتقالات كانت تتم على أساس الأفكار التي تدور في أذهان الناس. مجرد أفكار لم تخرج بعد إلى النور كانت تُلقي بالشخص في غيابة السجون أو حتى القتل المباشر.

وفي ظل ذلك المجتمع الجائع البائس الذي يحكم بالحديد والنار، تنطلق الرواية في الحديث عن أحد ضباط أمن الدولة يُدعى ليو دميدوف، والذي كان يدين بالولاء المطلق للنظام الستاليني وسياساته القمعية البوليسية من قتل وتعذيب واعتقال وملاحقات دون أي أسانيد قانونية. إلا أن تلك الطاعة العمياء لليو أخذت تضعف شيئًا فشيئًا بعدما شهد واقعة استجواب جرت بها شتى صنوف التعذيب الذي أفضى إلى القتل لرجل بريء اُتهم بالتجسس والعمل لصالح دول ووكالات معادية للاتحاد السوفيتي.

انتقامًا منه وعقابًا له على ولائه الذي أخذ في التذبذب، يفاجئ ليو بأن ذلك الجاسوس البريء قد أُرغم قبل قتله على كتابة ورقة حدد فيها أسماء العاملين معه في شبكة التجسس. وكان الاسم الذي نزل كالصاعقة على ليو هو اسم زوجته ريزا. وإمعانًا في التنكيل به، صدرت له الأوامر بالتحقيق في قضية زوجته وإثبات ما إذا كانت مدانة أم لا.

فهل اختار ليو في نهاية المطاف الجهة التي يميل إليها قلبه، أم آثر الولاء للنظام الستاليني على حساب زوجته؟!

وقد دفع ليو نظير القرار الذي اتخذه ثمنًا باهظًا، إذا تم عزله من إدارة أمن الدولة ونفيه إلى إحدى المدن البعيدة عن موسكو للعمل بوظيفة متدنية. ولم يكن له الحق حينها أن يرفض، لأن ثمن الرفض كان حياته. في الأثناء، تظهر أمام ليو قضية مسكوت عنها لأنها تضر بالنظام وسمعته واستباب الأمن الذي كان يتغنى به، ولكن ليس من خلال التحقيق في كل الجرائم والقبض على الجناة، بل بدفن الكثير منها حتى لو ظلت دون فاعل حقيقي أو قيدت ضد مجهول.

نكتشف أن هناك أكثر من ٤٠ حالة قتل لفتية وفتيات بنفس الطريقة والأسلوب في شتى أنحاء البلاد، حيث المعدة مستأصلة وفي فم الضحايا لحاء الأشجار، وقد تركوا عراة، وكأن المجرم يستمتع ويتلذذ عندما يرى ضحيته في ذلك الوضع. نحن إذن أمام جرائم قتل غير عادية لا تحركها دوافع تقليدية. فمن ذا الذي بمقدوره أن يتحرك بكامل حريته دون سبب وجيه؟ أيعقل أن يكون القاتل مقربًا بأي شكل من الأشكال من ذلك النظام البوليسي؟ وإن كان الأمر كذلك فلماذا تحاول السلطة حمايته؟ وهل سينجح ليو في نهاية المطاف في تحديد هوية القاتل، وكيف سيكون اللقاء بينهما إن حدث؟ وما هي المفاجأة الكبرى التي يخبئها الكاتب لقرائه في النهاية؟

رواية "رجل النظام البوليسي" تدرس وتفحص وتمحص مفهوم الولاء المطلق للسلطة القمعية ومآلاته، ومصير من يكون بخندق الموالين ثم ينتقل طواعية إلى خندق المعارضين والمناهضين. إنها رواية عن الفقر المدقع، والخوف من الكلمة، والقمع، والخيانة، والحقد، والشك المريب، والكره، والمعاني المختلفة للقومية والوطنية؛ ما بين أولئك الذين ينفذون كل سياسات النظام من تكميم الأفواه، وتعذيب وتنكيل بالمعارضين السياسيين، والجماعات والأفراد التي تعمل في الخفاء بغية إصلاح الأوضاع، وإعلاء القيم الإنسانية، وترسيخ حق الفرد والمجتمع في التعبير عن آرائه بحرية دون ترهيب أو تعذيب.

رواية مؤلمة وموجعة تثير مجموعة من المشاعر المتناقضة بعد الانتهاء منها، لكنها تستحق القراءة.

الرواية صادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون عام ٢٠١١، وتقع في ٤٨٧ صفحة، من ترجمة مروان سعد الدين، وقد كانت في مجملها ترجمة جيدة، وإن كانت هناك بعض الأخطاء الإملائية والهنات اللغوية، لكنها لم تفسد متعة القراءة.

■ اقتباسات راقت لي:

• سمع ليو عن سجناء لم يسأل أحد طوال أسابيع، وأطباء لا يفعلون شيئاً إلا دراسة الألم، ودرب نفسه على قبول أن تلك الأشياء لم تتواجد مصادفة، وإنما لسبب؛ فالرعب يحمي الثورة؛ ومن دونه كان لينين سيسقط، وستالين كذلك.

• كان دزرزينسكي الأب الروحي لقوات الشرطة السرية، ونموذجاً يحتذى، وكتيبات التدريب مملوءة باقتباسات تُنسب إليه، وربما كانت أشهر خطاباته التي تتكرر غالباً هي تلك التي تصف كيف يجب على الضابط أن يدرب قلبه على القسوة.

• كانت القسوة متجذرة في نظام عملهم، وفضيلة، وشيئاً ضرورياً. التوق إلى القسوة! القسوة تحمل المفاتيح التي ستفتح بوابات الدولة المثالية. وإذا كان الانتماء إلى الشرطة السرية مماثلاً لاتباع عقيدة دينية، فإن القسوة إحدى وصاياها الأساسية.

• حتى بعمر السادسة، كان الأولاد يفهمون أن ازدراء السلطة، أو التحدث من غير استئذان، معناء القضاء على حياتك بيديك. لم تكن سنّ الطفولة توفر أي حماية للمرء، والعمر الذي يمكن إعدام طفل فيه على جرائمه، أو جرائم والده، هو الثانية عشرة.

• ربما لم يستطيعوا العثور على أي دليل، وسيُطلق سراحهما وتنهار القضية الموجهة ضدهما. لم تراود تلك الأفكار ليو إلا لوقت قصير؛ فالاتهامات لا تنهار أبداً نتيجة الافتقار إلى الأدلة.

• حُكم عليها بالسجن عشرين سنة. اعتقلوها حين خرجت من دار العبادة، واتهموها بأداء صلوات معادية لستالين صلوات يا ليو! أدانوها على أساس صلوات، ولم يسمعوها قط. اعتقلوها على أساس الأفكار الموجودة في رأسها.

• المشكلة حين يصبح المرء ضعيفاً، كما هي حالك الآن، هي أن الناس يبدأون بإخباره الحقيقة، التي لا يكون معتاداً عليها، فقد عاش في عالم يحميه الخوف الذي يمثله.

• كان ذلك جنون الارتياب السائد في تلك الأيام؛ الشك الذي تغذيه الدولة بأن أي ادعاء بغض النظر عن تماسكه كافٍ لقتل إنسان.

• كان النظام يفتخر بأنه يحطم الروابط والعلاقات، وأن العلاقة الوحيدة المهمة هي علاقة الشخص بالدولة.

Facebook Twitter Link .
0 يوافقون
اضف تعليق