🔶️🔸️ مراجعة رواية "عندما شبع تارار" للكاتب عبد الرحمن خليفة. بقلم: حسين قاطرجي.
قد تكون سمعت عن بطونٍ لا تشبع، لكن قصة "تارار" الفرنسي تتجاوز حدود الشهيّة الطبيعيّة. "تارار"، الرجل الذي دُهشَ الأطبّاء من قدرته على تناول كل شيء، كان يملك شهية هائلة جعلته أشبه بمكنسة كهربائية بشرية.
وُلد "تارار" في فرنسا في القرن الثامن عشر، حيث عاصر الثورة الفرنسية، ولم يشارك بها بحال كونه كان منشغلاً بملئ تجويف بطنه الذي لم يسدّه شيء!! يُقال إنه كان يستطيع تناول رطل من اللحم النيء في لحظة واحدة، ومع ذلك، لم يكن يزن أكثر من 45 كيلوغراماً. كانت هناك شائعات تقول إن "تارار" استنزف مخزون القرية من اللحم في وجبة واحدة، تاركاً السّكان يتساءلون إذا كان لديه معدة تعادل حجم حقيبة سفر عملاقة.
لم يكن يملك المسكين وجبةً مفضلة، كان يريد إسكات جوعه فحسب، وقد وصل به الأمر أن أكل الفخار والحجارة والفئران والجرذان والقطط النافقة، كان يجول حول حاويات القمامة ويأكل كل ما طالته يده، ويطوف حول مكبات النفايات ليأكل كل مايجده أمامه.
انضمّ "تارار" إلى فرقةٍ استعراضية ليأكل ما يتحدّاه الناس لأكله، وكان يفاجئهم دائماً بأنّه لايردّ شيئاً؛ حتى أنّه أكل الخراء بأنواعه كلها، الطري واللزج واليابس والمتحجر..
لسوء حظ "تارار"، لم يكن المجتمع العلمي متقدماً بما يكفي لفهم حالته. فقد وضع فريق من الأطباء الفضوليّين "تارار" تحت الاختبار ليروا إذا كان يمكنه بالفعل تناول أي شيء. تعامل تارار مع هذه الاختبارات وكأنها مجرد تحدّيات ممتعة، حيث أظهرت اختباراتهم مدى قدرته على تناول أشياء متنوعة من الضفادع والسناجب والثعابين المائية حتى طاولات الولائم بالكامل.
أما المفاجأة الكبرى، فقد كانت عندما تسلّل تارار ليلاً إلى المشرحة حيث أكل الموتى المساكين الذين لم ينالوا بعد شرف الدفن فالتهم فك "تارار" المفترس لحمهم المتفسخ!! والطامة الكبرى كانت عندما دخل غرفة الحواضن وأكل طفلاً حديث الولادة دون مضغ!! وبالفعل، لم يكن "تارار" يمضع، بل يبلع كل شيءٍ بلعاً، وكان جلده قابل للتمدد بشكل مذهل، وفمه يتسع لخمس تفاحاتٍ دفعةً واحدة!!
بعد هذه التجارب المريعة، قرر الأطباء أن يقدّموا "لتارار" مهمّة سرية كمبعوث للتجسّس أثناء الحروب الثورية الفرنسية. كان عليه أن يبتلع وثائق سرية مخبأة داخل علبة صغيرة بعد أن وثق رجالات المخابرات أنّ العلبة ستخرج صحيحةً كونها لاتُهضم، ويعبر الحدود ليُخرجها من الجانب الآخر. ومع ذلك، لم يكن "تارار" بالجرأة التي توقعها الأطباء، إذ أُلقى الألمان القبض عليه على الفور بعد عبوره الحدود. ولم يُستقبل مهمته السريّة بكثير من السرور كما كان يأمل.
في نهاية المطاف، أصبح موضوعاً للعديد من الدراسات والتحقيقات الطبيّة، فقد كان شخصيّة تتحدى المنطق، وأثبت تشريح جثته بعد موته حقائق مُفزعة عن جهازه الهضمي. لكنه بقى في ذاكرة التاريخ كرمز للجوع الغريب، وأنه على الرغم من كل شيء، يبقى "تارار" الإنسان الذي لم يشبع أبداً.
من الناحية الأدبية، زجّ الكاتب بتفاصيل جنسية لم تكن لائقة ولم تخدم بحالٍ سرديّة الرواية، وغير ذلك يبدو أن الكاتب "عبد الرحمن خليفة" حرص على أن يصدّقه القارئ في كل معلوماته لدرجة أنّه كان يضع مصادر معلوماته دبر كل فصل.
• عندما شبع تارار
• عبد الرحمن خليفة
• إبهار للنشر والتوزيع. 2024
• الطبعة الأولى. 220 صفحة.