تتناول الكاتبة التونسية فائقة قنفالي في روايتها "أتبعكِ إلى العتمة" ظاهرةَ ما يسمى بتصفيحِ البنات في العالم العربي. ( حيث أن هذا المصطلح أطّلع عليه للمرة الأولى كونه أكثر شيوعاً وممارسة في منطقة المغرب العربي).
تتمثل طقوس عملية التصفيح بعمل جرح للبنت في سنٍّ مبكِّرة في ركبتها أو فخذها؛ تُعمل سبعةَ جروحٍ صغيرة، ويؤتى بسبع تمرات ويتم تغميسها في دم الفتاة الصغيرة وإجبارها على أكلها وهي تردد "أنا حيط وهو خيط".
يتم تلاوة تعويذةٌ سحريةٌ قبل ذلك تكون بمثابةِ قُفلٍ على فرج الفتاة الصغيرة، بحيث لا يُمكن لأحدٍ أن يفُضَّ بكارةَ الفتاةٍ المُصفَّحة حتى يوم زواجها.
"شمس" بطلة الرواية تتعرض لهذا الطقس وهي طفلة، كما أنها تتعرض للعنف الجسدي من قبل أخوها والاعتداء الجنسي من قبل عمها وأستاذها في المدرسة.
هناك إضاءة مهمة من قبل الكاتبة على هذه الظاهرة والتي كما ذكرت ليست مألوفة في المشرق العربي، فهي تبرز معاناة المرأة وصراعها مع المجتمع في أحقيتها بجسدها الذي يحاول المجتمع بأفراده ومؤسساته المختلفة أن يفرض سلطته عليه تحت مسميات مختلفة: الشرف، العار، السمعة، وما إلى ذلك.
روائياً، استخدمت الكاتبة تقنية تعدد الأصوات وظل صوت شمس غائباً نوعاً ما ولم يكن حاضراً بقوة منذ بداية العمل لكن في نهاية العمل بدأ بالظهور بوضوح. بداية كانت هذه التقنية مربكة، لكن ما أن يمسك القارىء بزمام الأمور حتى تصبح الأمور واضحة. اللغة كانت سلسة ولا تعقيد فيها. لكن هناك بعض المآخذ التي وجدتها في هذا العمل:
أولاً: ثيمة العمل تقوم على عرض ظاهرة "التصفيح". بدأ الحديث عن هذا الموضوع في الثلث الأخير تقريباً من العمل. للوهلة الأولى ومع غلبة الأصوات الأخرى في العمل على صوت شمس اعتقدت أن ثيمة العمل فقط التعنيف الذي تعرضت له شمس من قبل عائلتها. أفهم أن التصفيح هو جزء من هذا التعنيف لكن لم يكن حاضراً في العمل بقوة إلا في ثلثها الأخير. عرضته الكاتبة كنتيجة أو شكل من أشكال العنف الممارس ضد شمس وليس كواحد من أكثر الأمور بشاعة والتي قد تمارس ضد المرأة. هذا لا يُنفي أنه بشع لكنها لم تعرضه بشكل قوي ليقنعني أنا القارئة من سياق ثقافي آخر بهوله وبشاعته.
ثانياً: شخصية شمس وكيفية تعاطيها مع عملية التصفيح غير مقنعة. الطريقة التي بنت فيها الكاتبة شخصية شمس بكونها متمردة، عنيدة، متعلمة، ومثقفة لم تنسجم بتاتاً مع تعاطيها مع عملية تصفيحها. أفهم أن هذه العملية تحصل للفتاة في عمر صغير، لكن شمس تعلمت وهي مثقفة تقرأ فيرجينيا وولف ومع ذلك سقطت في شرك الوهم الذي يسقط فيه الجاهل الذي يؤمن بهذه الخرافات والخزعبلات والذي يؤمن أن تعويذة قد تسد باب فرج المرأة وتمنعها من ممارسة الجنس إلا إذا تم فك هذه التعويذة. أن تضع الكاتبة الجاهل والمتعلم والمثقف على ذات السطر في التعاطي مع قضية الخزعبلات والخرافات، فهذا شيء يخالف المنطق حيث أنه ما فائدة التعليم والثقافة إذا كان المتعلم والجاهل في ذات المصاف وفي ذات الخانة.
لكن بالمجمل هو عمل جيد، وكان إضاءة لي كقارئة من سياق ثقافي آخر على ظاهرة لم أكن أعلم بها مسبقاً.