احذر دائما من الكلاب > مراجعات رواية احذر دائما من الكلاب > مراجعة رابية عمار

احذر دائما من الكلاب - سمير قسيمي
تحميل الكتاب

احذر دائما من الكلاب

تأليف (تأليف) 4
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
5

"احذر دائمًا من الكلاب": عندما يصبح الوهم مقدسًا في السياسة والدين

لا خلاف في أن هذا النص غني ومعقد، وأن البعض هنا قيّمه بناء على قراءاته الاعتيادية للرواية العربية، لكن المشكل أنه نص كتب بأسوب مختلف واغتمد تقنيات حديثة وجديدة، كما تبنى لغة بمستويات مختلفة، لهذا فضلت أخذ وقتي وكتابة هذه المراجعة المتواضعة عن هذا العمل الذي يجمع بين السرد العميق والتأمل في قضايا التاريخ والدين والسياسة. من خلال استخدام تقنيات سردية متميزة وتوظيف شخصيات متعددة الطبقات، فقد نجح الكاتب في خلق رواية تتناول أبعادًا مختلفة من الحياة البشرية، حيث يتشابك ما هو سياسي بما هو ديني، وما هو واقعي بما هو ميتافيزيقي. في هذا المقال، سنتناول الجوانب الأساسية للرواية مع التركيز على وجود خطين سرديين رئيسيين: الخط السياسي والتاريخي من خلال قصة عبد المؤمن حلوفة ونسرين نايت خوجة، والخط الديني المتمثل في قصة تيموثي القديمة وتيموثاوس النبي، بالإضافة إلى تسليط الضوء على ميل الكاتب للعناية بالفكرة أكثر من الشخصيات، وثيمة الوهم والكذب وكيف يصبحان مقدسًا في السياسة أو الدين.

الأسلوب السردي

الرواية تميزت بأسلوب سردي يشد القارئ منذ البداية، حيث تبدأ بمشهد مأساوي يعكس الغموض والمأساة المتأصلة في القصة. من اللحظة التي يسمع فيها "عبد المؤمن" التحذير الذي أطلقته "نسرين نايت خوجة" قبل سنوات، يبدأ القارئ في متابعة تطور هذه الشخصيات المعقدة التي تحاول فهم وتجاوز ماضيها. السرد يخلق حالة من الترقب المستمر، ويعتمد بشكل كبير على الحوارات والتفاصيل الدقيقة التي تضفي عمقًا نفسيًا على الشخصيات. الأسلوب يتميز بتنوعه بين السرد الواقعي والتأملات الفلسفية، مما يسمح للقارئ بالغوص في العالم الداخلي للشخصيات وفهم تعقيداتها.

الحبكة والشخصيات:

تعتمد الرواية على حبكة متداخلة تربط بين شخصيات متعددة، حيث نجد عبد المؤمن حلوفة شخصية تائهة تسعى للتصالح مع ماضيها السياسي والاجتماعي. حياته مرتبطة بشكل معقد بـنسرين نايت خوجة، المرأة التي تمثل جزءًا من هذا الماضي المتشابك. هذه الشخصيات تحمل في طياتها صراعات بين الماضي والحاضر، وبين ما هو واقعي وما هو رمزي. نسرين، التي تعيش حياة غامضة، هي مفتاح لفهم الجانب التاريخي والسياسي في الرواية.

أما الخط الثاني في الرواية فيتناول قصة تيموثي القديمة، الكائن الذي عاش طويلًا، وارتبط في النص بشخصية تيموثاوس النبي. هذه الشخصيات تأخذ القارئ في رحلة تتجاوز الزمان والمكان، حيث يُطرح مفهوم الزمن والدين بشكل رمزي، ليقدم الكاتب من خلالها رؤية فلسفية حول الحياة والموت والخلاص.

المقدس السياسي والتاريخي

يتمثل الخط الأول في الرواية في القصة التي تربط بين عبد المؤمن حلوفة ونسرين نايت خوجة. هذا الخط يعكس واقعًا سياسيًا وتاريخيًا معقدًا، حيث يعيش عبد المؤمن محاصرًا بماضيه، سواء من خلال تاريخه الشخصي أو علاقته مع نسرين. الرواية تعكس صورة رمزية للصراعات التي شهدها المجتمع الجزائري، خاصة فيما يتعلق بالحركات النضالية ضد الاستعمار الفرنسي، حيث يصبح التاريخ عبئًا على الشخصيات، مثل عبد المؤمن، الذي يجد نفسه غير قادر على الهروب من هذا التراث. هنا، المقدس السياسي يتمثل في احترام التاريخ النضالي، لكنه مشوب بالغموض والشكوك حول ما هو حقيقي وما هو مختلق.

المقدس الديني

أما الخط الثاني في الرواية فيتناول مفهوم المقدس الديني من خلال قصة تيموثي القديمة وتيموثاوس النبي. تيموثي هي شخصية رمزية تعيش لفترة طويلة، وتحمل في وجودها رمزية ميتافيزيقية عميقة. هذه الشخصية ترتبط بالمقدس الديني من خلال ربطها بشخصية النبي تيموثاوس في التراث المسيحي. فكرة الخلود والزمن الطويل التي تطرحها قصة تيموثي تعزز من ارتباطها بالمقدس الروحي، وتثير تساؤلات حول المصير والحياة والموت. الكاتب هنا لا يكتفي بعرض قصة دينية بسيطة، بل يدمجها مع عالم من الرموز الميتافيزيقية، ما يجعل القارئ يتأمل في المعاني الأعمق وراء القصص الدينية والرموز التي تشكلها.

تجمع الرواية بين هذين الخطين – السياسي والديني – بشكل يخلق نوعًا من التوازي في السرد. كلا الخطين يعبران عن قوى أكبر من الشخصيات الفردية، سواء كانت هذه القوى سياسية وتاريخية أو روحية ودينية. الشخصيات، سواء كانت عبد المؤمن ونسرين في الخط الأول أو تيموثي في الخط الثاني، تحاول جميعها البحث عن نوع من الخلاص، سواء كان خلاصًا سياسيًا أو روحيًا.

الحبكة تتشابك بين هذين الخطين لتبرز أن كلا من السياسة والدين يؤثران بشكل عميق على مصائر الشخصيات. عبد المؤمن ونسرين، وهما شخصيتان سياسيتان وتاريخيتان، يبحثان عن فهم جديد لتاريخهما وكيفية تجاوزه. في المقابل، تيموثي تقدم رؤية أوسع وأكثر روحانية للعالم، حيث يتعامل الخط الثاني مع مفهوم القدر والخلاص الروحي.

التركيز على الفكرة أكثر من الشخصيات:

من الواضح أن الكاتب أولى اهتمامًا كبيرًا بالفكرة والمفاهيم العامة التي يتناولها النص أكثر من تطور الشخصيات بشكل عميق. يمكن تفسير هذا النهج السردي بعدة طرق:

1. الفكرة كجوهر الرواية: الكاتب يعالج قضايا فلسفية وتاريخية عميقة، مثل التاريخ السياسي، الصراع بين الماضي والحاضر، والدين كعامل مؤثر في حياة الأفراد. هذا يجعل الشخصيات أدوات لخدمة الفكرة، وليس العكس.

2. الرمزية في الشخصيات: الشخصيات، مثل عبد المؤمن ونسرين، تعمل كرموز للتاريخ والسياسة والخيانة. أما تيموثي، فهي تجسد الزمن والخلود. التركيز على الرمزية يجعل الشخصية ثانوية مقارنة بالرسائل الفكرية التي تريد الرواية إيصالها.

3. العمق الفكري على حساب العمق العاطفي: الرواية تسعى إلى تقديم تأملات فلسفية أكثر من استكشاف العلاقات النفسية العميقة بين الشخصيات. الشخصيات تتعرض لصراعات كبرى، ولكن لا يتم التركيز بشكل كبير على تطور حياتها العاطفية والنفسية، بل على ما تمثله من قضايا أكبر.

الوهم والكذب وكيف يصبحان مقدسًا:

من الثيمات الرئيسية في الرواية هو موضوع الوهم والكذب، وكيف يمكن أن يتطورا ليصبحا مقدسًا، سواء في السياسة أو التاريخ أو الدين.

- في الخط السياسي والتاريخي، نجد أن الشخصيات، مثل عبد المؤمن، تعيش في ظلال أوهام وكذبات متراكمة ترتبط بالهوية الوطنية والتاريخ النضالي. هذه الأوهام تتحول تدريجيًا إلى مقدسات يصعب التشكيك فيها أو زعزعتها، وتؤثر بعمق على حياة الشخصيات وتوجهاتها.

- في الخط الديني، ترتبط قصة تيموثي القديمة بفكرة الأوهام التي تتحول إلى حقائق مقدسة. تيموثي تعيش لفترة طويلة، وتصبح رمزية الخلود والغموض جزءًا من تقديس وهمي للحياة الطويلة والعمر الأبدي. هذه الرمزية تتداخل مع مفاهيم دينية، حيث تتشابك الخرافة بالدين لتصبح جزءًا من المفاهيم المقدسة التي تتبناها الشخصيات.

- التحذير المتكرر من "الكلاب" في الرواية يعكس كيف أن الوهم يمكن أن يتحول إلى خطر حقيقي. الكلاب ليست مجرد حيوانات، بل ترمز إلى التهديد الكامن في تصديق الأكاذيب أو الانجرار خلف الوهم الذي يُصاغ على أنه حقيقة. الوهم هنا ليس مجرد فكرة عابرة، بل قوة قادرة على تشكيل مصائر الأفراد والمجتمعات.

من الضروري القول بعد كل هذا، إن الكثير من الروايات العالمية اختارت هذا النهج في التركيز على الفكرة الكبرى أكثر من تطوير الشخصيات، على غرار الغثيان لجان بول سارتر، أين ركزت الرواية على فكرة الوجود والعدم بدلاً من الشخصيات، حيث يتم فيها استخدام شخصية أنطوان روكانتان لتوصيل أفكار سارتر حول العبث والوجود، وهو نفس الخيار الذي اختاره أورويل في روايته 1984 عندما ركزعلى تقديم نقد للأنظمة الشمولية، ولم يستخدم الشخصيات إلا كأدوات لإيصال الأفكار حول الرقابة والتحكم، على حساب تطويرها كأفراد، نجد أيضا ألبير كامو في روايته الطاعون يوظف شخصياته في الرواية لتعبر عن أفكار فلسفية فلسفية تغوض في العبثية والمقاومة دون أن يقوم بتطويرها كأفراد معقدين.

هذه الأمثلة توضح أن التركيز على الفكرة الكبرى، سواء كانت سياسية، فلسفية، أو دينية، يمكن أن يُغني النص الأدبي ويجعله وسيلة للتأمل العميق في القضايا الإنسانية، سيما إذا وظفت الرمزية توظيفا قويا ومكثفا مثلما فعل قسيمي في روايته هذه مستعينا بالصورة الذهنية للكلب التي قد تمثل الخوف والخيانة والخطر الدائم، والتحذير من الكلاب يرمز إلى الحذر من الأعداء والخيانة التي قد تأتي من القريب أو البعيد. كما أن شخصية تيموثي القديمة ترمز إلى الزمن الطويل والحكمة المتوهمة بعامل الزمن التي تظهر أنها حكمة سخيفة لا تؤدي إلى أي نجاة.

مأزق القراء

وبينما تحتوي الرواية على عمق فكري ومواضيع مهمة، فإن التعقيد في الحبكة والأفكار والفلسفات المقدمة يمكن أن يؤدي إلى تشتت تركيز القارئ الذي لم يعتد على هذا النوع من السرد بسبب جدّته ومقاربته لمستويات تحتاج إلى قدرة مهمة من التأمل والتفكير في المعاني وراء الأحداث، وهو ما قد يتطلب منه جهدًا إضافيًا، يجعله يدرك أنه أمام نص متلاحم ومنسجم جدا، رغم ما قد يعتقده في البداية من تشظي داخل النص.

رواية "احذر دائمًا من الكلاب" تقدم قراءة متعددة الطبقات للتاريخ والسياسة والدين. من خلال الجمع بين الخطين السرديين – المقدس السياسي والتاريخي المتمثل في قصة عبد المؤمن ونسرين، والمقدس الديني المتمثل في قصة تيموثي القديمة وتيموثاوس النبي – تخلق الرواية نوعًا من التوازن بين هذين العالمين وتبرز كيفية تأثيرهما العميق في حياة الشخصيات. الرمزية الغنية والأسلوب السردي المتقن يجعل من هذه الرواية نصًا أدبيًا يفتح الباب أمام القارئ للتأمل في العلاقات المعقدة بين الفرد والمجتمع، وبين الحاضر والماضي، وبين ما هو دنيوي وما هو روحي.

في النهاية أقول إن الأولوية التي منحها الكاتب للفكرة على حساب تعقيد الشخصيات تبرز أن الرواية تسعى إلى تقديم تأملات فلسفية وفكرية عميقة. هذه الشخصيات ليست سوى أدوات رمزية لتمثيل الأفكار الكبرى التي تتناولها الرواية، وهو ما يجعلها نصًا يعبر عن قضايا اجتماعية وسياسية ودينية بأسلوب يتجاوز الحدود التقليدية للروايات النفسية أو الواقعية.

Facebook Twitter Link .
1 يوافقون
اضف تعليق