صور معلقة على السور
( قد تحتوي هذه المراجعة على بعض الحرق للاحداث )
هذه رواية عن الفناء.. لا شيء يبقى.. الجسد البديع يفنى والحكايات تفنى والمباني تفنى.. وحتى الصور والتماثيل التي نخلقها لنخلد.. ايضا تفنى..
الارض هي ما ترثنا ولسنا نحن من نرثها
نعمات.. المرأة الجميلة المحبوسة داخل جسدها الفاتن مع تمثالها وفستانها الدانتيل الابيض تنظر من خلف شباك موصد لا يرى الشمس الى السور الذي يحول بين جسدها وبين ارض اجدادها... الارض الملعونة الي تلفظ كل من يتملكها ... كل من تملكها فنى.. وكل ما تملك جسد نعمات ايضا فنى.. حتى نعمات نفسها.. فنت..
من الذي سرق جسدك يا نعمات؟ ومن الذي سرق ارضك؟
فنت نعمات.. وفنى الجميع.. وبقيت الارض.. وبقيت زينة تشاهد الحكايات صورا معلقة على السور
زينة.. الطفلة الهاربة التي لا تدري من اين اتت والى اين تذهب.. تلملم قصاصات الحكاية وترصها لنا كقطعة بازل حتى تكتمل.. وحتى نعرف الحقيقة الكاملة مثلها.. احسست انا هذه الحقيقة مبكرا في الرواية وكان تخميني في محله..
للرواية خطين متوازييين للحكي.. يفصل بينهما سور مانشيني والنافذة المطلة عليه..الخط الاول حكاية ملغزة خلف النافذة الموصدة تتكشف شيئا فشيئا.. الخط الثاني لحكاية بنسق زمني متتابع لما داخل السور.. للارض..
في البداية كانت الارض.. البكر.. ملكا للفلاحين.. اكلها بالربا منهم والد نظير اليهودي. الذي ورثها فصارت مشتلا للنباتات العطرية .. ثم جاء الباشا شامل الذي ارتفع من الحضيض الى الباشوية.. شامل الذي لا يشبع فاخذها ايضا بهتانا.. ثم على طاولة قمار ضيعها البيك قاسم ابنه.. ثم جاء الايطالي مانشيني والجميلة ايما وبني السور وجاءت نعمات... وجاءت الشوكولاتة.. وكان الزمن الاجمل في الرواية.. الشكولاتة.. ايما.. النحات..والتمثال.. زمن جاء ليخلد ولكن ايضا طاله الفناء... وعندما ازف الرحيل.. وجاء التأميم... وحلت رتابة الموظفين محل ليونة الشوكلاتة.. حل القبح مكان الجمال... ثم صارت الخرابة وكلاب القطيع وزمن ممسوخ وصار السور يضم لوحة ملطخة غير متجانسة من زواج الفلسفة والرقي مع قوة فتوة المنطقة .. من اختلاط المصالح... من امتزاج السياسة بالدين..من التجارة بالدين .. من غياب الفن والجمال .. من الخيانة والوضاعة والوصولية.. السنتر في خدمة الجميع لوحة تقابلك على المدخل...ثم... فنى الجميع وبقيت الارض تنتظر من سيسكنها ويلبس لعنتها...
داخل السور حكى الكاتب عينة من تاريخ مصر من ايام الملكية الى التسعينات وماطرأ على البلد وعلى المجتمع من تغيرات.. وكيف تلونت الارض بجنس مالكها ... وكيف ستبقى الارض ويزول ملاكها...
جسد نعمات ايضا كان حسب من ينظر اليه.. فهو مطمع لزوج الام.. ثم وسليه رزق للزوج الاول ثم قطعة فنية للنحات في زمن الشوكولاتة... ثم سلم يتسلق عليه يحيى خليل الى المجد.. ثم جسدا يرقص وسط حفل صاخب للقطط السمان ورجال السياسة... ثم عشيقا لعجوز ثري.. ثم اما بالصدفة... ثم وحيدا حائرا منتفخا باكيا على ايام مجده... مع تمثاله الميت وفستانه الابيض الدانتيل الذي لم يعد على مقاسه ..
الرواية حقا بديعة.. عميقة وشيقة... لغتها سهلة في السرد وفي الحوار.....
السرد جاء كما قلت في خطين متواززين..
الشخصيات مرسومة بعناية بالوصف الشكلي وبروح الشخصية... احببت( زينة فقط) ... تعاطفت مع عنايات الي تبحث عن جسدها الضائع.. احسست رقة ايما وامتزاج رقتها مع خشونة مانشيني ونبل وحزن جاك لتصنع قالب الشوكلاتة.. احسست ان قالب الشوكلاتة الذي يحمل ارواحهم وغلافه الذي رسم عليه تمثال عنايات يمثل عصرا جميلا حالما متناغما كالشوكلاتة
اما امتزاج ميمي وزيزي... امتزاج صعب الحدوث غير متناسق لكنه عبر تماما عن زمنهم... زمن المسخ... والقبح.. وامتزاج الاقطاب المختلفة.. غير المتجانسة... فقط هو الحب العذب الذي بينهما ببراءة ميمي وحنان زيزي ما هون علي قبح الفترة الزمنية... من مصالح وخيانات وانحطاط الجمال..وخلط المسميات... كدت ابصق على يحيى خليل كما تفعل زيزي.. آلمني صمت ضرغام ومأساته.. حزنت على وداد التي جلست بنصبة الشاي كامرأة بائسة امام ارض كان من الممكن ان تكون ملكة متوجة عليها لولا لعبة القدر... الشخصية التي لم افهم دلالتها هي حجازي.. ربما كان هو الشاهد الاعمى على الاحداث فكأن الاحداث كلها سراب كشهادة رجل اعمى ماشافش حاجة....
مجملا الرواية جميلة وشيقة وثرية...