كتب كونديرا في رائعته "الخلود": (إذا أراد أحد المجانين الذي ما زال يكتب حتى اليوم أن يحمي رواياته، فعليه أن يكتبها بحيث لا يمكن تحويلها إلى شكل فني آخر، وبمعنى آخر، بحيث لا يمكن أن تروي).
قفز إلى ذهني هذا الاقتباس بينما أنا أفكر في كتابة مراجعة للرواية، فالرواية تحمل في طياتها البساطة والتعقيد في آن واحد، مما يجعل من الصعب الحديث عنها من دون إغفال أحداث أو شخصيات. لذا، لا أستطيع أن أعد في هذه المراجعة بالكثير، حيث إذا أراد أي شخص أن يعرف جوهر الرواية، فلا غني عن قرائتها فكل فصل يحمل قيمة خاصة لا يمكن فهمها إلا من خلال الغوص في الرواية.
تدور أحداث الرواية باختصار حول الشخصية المركزية نعمات، حيث إنها الشخصية التي لديها علاقات مع أغلب شخصيات الرواية. فهي حفيدة الباشا شامل، وابنة قاسم بيه. وعلى عكس ما تشي به ألقاب العائلة، فقد نشأت نعمات في فقر وبؤس، حيث إن والدها قاسم مقامر قام بتفتيت أموال العائلة انتقامًا من والده الذي حرمه من والدته، ولكنه كرر نفس الجريمة فحرم ابنته من أبيها وفرصتها في أن تعيش حياة لائقة. فمن سن العاشرة عملت نعمات في مصنع الشوكولاتة، وتزوجت في مراهقتها من رجل دني، وعملت كعارضة لرسامين الأجانب وراقصة. في كل مرحلة من حياة نعمات، تتشابك حياتها مع شخصيات الرواية، وتتأثر بتغير الزمن، وتنعكس التغيرات على حياتها وجسدها.
جاء السرد في الرواية سلسًا، وعلى الرغم من سلاسته، إلا أنه عميق بالقدر ذاته ويرضي جميع أنواع القراء. فإذا كان القارئ يرغب في حكاية بسيطة، فالعلاقات بسيطة وواضحة داخل الرواية. أما إذا كان يبحث عن العمق، فكل علاقة وشخصية وحدث يحمل في طياته بُعدًا آخر، ويعكس العديد من الإسقاطات، ويرضي ذلك القارئ بجعله يضع تخيله الخاص دون أن يفرضه الكاتب داخل الرواية.
شخصيات الرواية مكتوبة بفن ولها عدة طبقات، فالشخصية تمثل نفسها وأحيانًا تمثل معنى أو إسقاطًا أو حقبة. وتمتد الخيوط ما بين الشخصيات لتقدم لنا الرواية كصورة كبيرة كاملة. وعلى الرغم من وجود عدد كبير من الشخصيات في رواية متوسطة الحجم، إلا أن كل شخصية كان لها وظيفة، بدا من نعمات إلى كلاب الخرابة. كما أن تفاعل الشخصيات مع شخصيات تاريخية موجودة أضفى واقعية على الرواية. فنرى شامل في حفلة خاصة مع ساكنة باشا والمغنية المظ، ونرى مانشيني مع تومي كريستو.
من هنا تحتوي المراجعة علي حرق للأحداث
جاءت النهاية ممتازة، ولكن لم تكن مفاجأة بالنسبة لي. توقعت أن نعمات وزينة هما نفس الشخص. أعتقد أن نعمات طورت شخصية زينة حتى تستطيع مواكبة الضغوط التي واجهتها وصدمتها بتحول جسدها، فخلقت شخصية زينة وجعلت عمرها عشر سنوات، وهو العمر الذي كانت فيه نعمات سعيدة عندما التقت بايما وعُينت في مصنع الشوكولاتة. فكان هذا اليوم علامة مميزة بالنسبة لنعمات. ولذلك كان من الضروري أن يكون حجازي كفيفًا، لأنه قد يخدعه الصوت، لكن بالطبع كان سيكتشف سريعًا أنهما نفس الشخص لو كان مبصرًا. كما أن الرسام الإيطالي وجه الحديث لنعمات على أنها زينة في الفصل الذي يحمل اسم نعمات، ثم تابع بعد ذلك باسم نعمات، فتأكد شكّي. لا أعرف إن كان ذلك مقصودًا من الكاتب أم مجرد غلطة مطبعية.
"رغبة الحكام في تحويل القاهرة إلى قطعة من أوربا.. يقول.. أنتم يا زينة حولتم القاهرة إلى مكان ساحر لكنه لا يشبهكم. يشبه أكثر هؤلاء المعماريين الأوربيين الذين غرسوا أجزاء من باريس وقِطَعًا من روما هنا، ❝
على هامش الرواية:
أحببت فكرة المطويات التي كانت تراها زينة وذكرتني بالرسائل التي كنا نجدها في أغلفة الشوكولاتة. لا أتذكر اسم الشوكولاتة الآن، ولكن أعتقد أن قصة مصنع كورونا وأغلفة الشوكولاتة أثرت على تفكيري. ولقد كان جزء مانشيني والشوكولاتة وقصة كورونا من أجزائي المفضلة، وواكبتها بإحضار شوكولاتة كورونا كما نصحتني صديقتي. Esraa Adel
كلما نراهن على الخلود، يحل فينا الفناء." أعتقد أن هذه الجملة تمثل مصائر العديد من شخصيات الرواية، بدا من شامل الذي ظن أن الخلود في قاسم، فسلبه قاسم كل شيء، مرورًا بمانشيني الذي اعتقد أن تحالفه مع العائلة سيجعله يكبر، فكان فناؤه عن طريق تلك العائلة، وصولًا إلى الجنرال الذي اكتمل بزيزي وتحالفه مع السلطة، فسلبته السلطة أعز ما يملك.
كما أن أرض مانشيني ملعونة، لم يتم تداولها أبدًا بشكل سلمي؛ الأرض خالدة ولكن الأشخاص ملعونون، فلم ينتهِ أي من مالكيها بشكل طبيعي. فمات نظير بحسرته على المحصول، ومات شامل وهو محروم من الذهاب إليها، وخسرتها وداد بسبب قاسم وانتقامه، وظلت طوال حياتها على هامش السور، وخسرها مانشيني في الحريق، وأيما في التأميم، وحلت لعنتها على ميمي وزيزي. وكل مرة تصبح رمادًا وتنهض كالعنقاء.
أحببت الرواية، وأحببت أنني قضيت وقتي في فرائتها وتاويل احداثها في الحقيقة، كان وقتًا ممتعًا، وأنا مدينة بهذا الترشيح MoniCa Abdel-malak حيث قامت بترشيح الرواية وتشجيعي علي قرائتها .
أقتباسات
❞ المعروف عن الشيكولاتة أنَّها تعدل المزاج. تُذيب الكآبة. تمنحك صفاءً مُؤقَّتًا. بعد انتهاء مفعولها ستقضم من قالبٍ آخر؛ لأنك ستكون قد تعوَّدتَ على أن السعادة يمكن أن تُرْتَشَف رغم ذلك❞
❞ صناعة قالب صغير من الشيكولاتة أصعبُ من صناعة دبَّابة. يمكنك أن تصنع آلاف الدبَّابات المُتطابِقة مع نموذج واحد. مجرد قطع من الحديد المُصْمَت لا تستطيع أن تُميِّز واحدة عن أخرى الشيكولاته أمر مختلف؛ الشيكولاتة معجونة بروح من يصنعها وبمذاق روحه❞