أخطأتُ حين ابتعدتُ عن قلمه لعلي أشتاقُ فما أجمل الإشتياق إلى قلمٍ أعجبك و كلماتٍ ترجح لها كفة الميزان ، و لكني حين عدتُ استوحشت غربتي عنه وندمتُ على فترة مرت دون اقترابنا.
بدأ الكتاب بفكرة بسيطة يتمناها أغلبنا عن جني يحقق لنا جميع الأمنيات التي تخطر على البال ولكن "يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن اشياء ان تبد لكم تسؤكم" ، فخروجه عن صندوق الأمنيات ومواجهته بالواقع المرير جعله يتمنى لو تشّبه بالعامة بدلاً من رؤية الوجه الحقيقي لكل شئ حولنا من بشر أو دنيا أو تاريخ.
طرح الكاتب في كتابه علاقة الشعب بالحاكم و كيفية ارتباط هذه العلاقة ببعضها البعض فضعف الشعب أو قوته يعد مؤثر رئيسي في سيطرة الحاكم من عدمها كما أوضح إن كثرة مدح الحاكم وإعلاء قدره كان يحدث في أوروبا قبل الثورة الفرنسية و لكن الأمر تغير بعدها ، و لازلنا حتى الآن نعاني من هذه الأزمة وكأننا اعتدنا السير داخل الجدران فإن خرجنا منها فقدنا الطريق فعدنا سريعاً إليها كي نستعيد الشعور بالامان.
دائماً ما ينصح الأطباء النفسيون بضرورة الجلوس مع النفس و جدالها ومناقشتها بل حتى ومحاسبتها، و قد انتوى الكاتب كتابة خطاب فخرج الأمر عن سيطرته و وجد نفسه يحكي عن نفسه و حديثه وإياها.
انتقل بعدها إلى الإعتراف بقربنا من الخالق أكثر في الصعاب سواء في مرض أو علة أو ضيق ، و عاتب نفسه على وقوفه كمتفرج وسط المصلحين دون أن ينزل إلى أرض القتال.
وجدتُ متعتي في قراءة "فيض الخاطر" باختلاف أنواع مقالاته التي لم تقتصر على نوع محدد من المقالات فحتى التفاح في الأدب العربي كتب عن مدى اهتمام العراق به و تمجيده حتى إنه قيل فيه أبيات شعر و كُتب أيضاً و كذلك اعتبروه هدية لقيمته العالية في هذا العصر.
علمنا أن هناك حروب عسكرية و لكن من غير المعتاد أن تصل إلينا بعد كل هذه الاعوام موقعة شعرية بين المسلمين في الدولة العباسية و الروم و أبيات شعر يعلو صوتها كصوت الحق و عزة مسلمين تتجلى في شعرهم و لغة تعلو حتى تصل إلى عنان السماء ، فاللغة أحياناُ ما تعد سلاح يبارز به الفريقين بعضهما و على كل فريق أن يحاول نيل النصر.
غريبٌ أمر الأدب العربي الذي كان لم تفته فائتة إلا و كتب عنها في الأشعار و قيل فيها قصائد ، فخرج إلينا كتاب الجاحظ عن الحيوان و ايضاً كليلة و دمنة و العديد من القصائد عن الفيل حتى سمي بأدب الفيل ولكن الأدب العربي القديم لم يعتبر جميع أنواع الكتب أدب ، وقد أكد الكاتب على أن كتب التاريخ و الرحلات و مقدمة ابن خلدون و ألف ليلة وليلة كل منها يعد أدباً ولا يقتصر على الشعر والنثر فحسب.
أتمنى لو كان بإمكاني أن اطمئنه أن اليوم أصبح القراء يعترفون بوجود كل هذه التصنيفات في الكتب ، بل وأنها أيضاً لها مريديها.
كتب أحمد أمين مقالات اجتماعية و أدبية و تاريخية و سياسية و دينية .. كتب في وعن كل شئ و كتب أيضاً في مجال التنمية البشرية في مقاله "ابتسم للحياة" قبل أن يتم اننشار هذا المجال أصلاً في الأدب ، وقد بدأ مقاله بضرب مثال قوي عن المقارنة بين "محمد عبده" في تفاؤله و "عبد الكريم سلمان" في تشاؤمه و الفارق بين ما وصل إليه كل منهما.
ولا ينصح في مقاله بالابتسام فحسب بل يؤكد على تأثير التفاؤل و الابتسام على الأمة و المجتمع بأكمله ، و يختتم مقاله بأسباب اليأس و الإحباط الذي يملأ القلوب والعقول و الذي يمكن مقاومته و التغلب عليه بالابتسام.
تعددت المقالات التي تحمل عناوينا مختلفة ، بعضها يدفع القارئ إلى الهرولة سريعا تجاه مقال معين و تجاوز اى مقال يعيقه في الطريق فكان مقال "الرجل الثقيل" واحد من هؤلاء حتى أتيتُ عليه كاملاً ليفاجئني بإختلافه فما كُتِب من الصعب أن يخطر على بال أى مؤلف.
فالرجل الثقيل من وجهة نظره هو العادل في رأيه دون انحياز و يملك من الشجاعة لقول الحق حتى إن خسر في المقابل أي إنه لا يخاف لومة لائم ، هو الذي يسعى لرد الحقوق والمظالم و احترام المواعيد ، هو الذي لا يمتثل للوساطة و المحسوبية و لكن للأسف ندر عدد الرجال الثقال كما كتب ولازال العدد قليل.
واحيانا ما تنتابنا أحلام وأمنيات ليست شخصية دوما و لكنها من أجل المصلحة العامة ، وقد تمنى المؤلف عصرا يتساوى فيه أبناء الوزراء وأبناء الكناسين ، و لكن للأسف ليس كل ما يتمناه المرء يدركه فالفكرة شبه مستحيلة.
وقد كنت أميل برأيي مع الملك الذي كان مقتنع أنه لا وجود للحظ في الدنيا فقد عقد المؤلف مقارنة بين رأي الملك و رأي الوزير كي يصل بنا في النهاية إلى حقيقة وجود الحظ ولو بقدر ما من عدمه ، وأميل أكثر الى تسمية هذا الحظ بالنصيب فربما نتبع كل الأسباب والخطوات السليمة للزراعة أو الصناعة أو حتى الدراسة وتأتي النتيجة بعدها بعكس ما نتوقع ودون اى سبب منطقي لحكمة ما نجهلها ، اذا فيجب ألا نتوقف عن العمل ولكن نرضى ونقنع وندرك إنه ليس بالعمل وحده تؤتى الثمار.
أمرُ تقريبا يوميا على مدرسة باسم "عبد الله النديم" دون أن اعرف عنه شيئا قبلا سوى إنه بالتاكيد علامة من علامات مصر و لكن القدر ساق لي فيض الخاطر كي اقرأ عنه اخيرا ، ذلك الاديب الذي ادرك منذ طفولته حبه للأدب دونا عن غيره من الفنون في عصر لم يكن يعتبر الأدب ذات قيمة اصلا و لكنه انجذب اليه رغما عنه فكان يختار مجالس الادب و يجالسهم كي ينصت اليهم.
حياته كانت حافلة ما بين قصر السلطان و خروجه منه وتأسيس اول جمعية اسلامية في مصر و ربط المدرسة بالقصر و تدريب الطلاب على الخطابة وإعداد الخطب بانفسهم كما لو كانت جامعة يتخرج منها نخبة تحسن التحرير و القول.
كما أنشأ جريدة ذات اسم رنان "التنكيت و التبكيت" و كتب فيها عن الادب و السياسة باسلوب مبسط و سلس يصل إلى جميع الفئات، ومن اهم معالم حياته كونه خطيب للثورة العرابية و بالرغم أن حياته انتهت خارج بلاده وحيدا الا انه تم اعتباره احد المصلحين الاجتماعيين الذي سار المصلحون على اثره.
وهاهنا يستكمل" احمد امين" كتاباته عن المصلحين و الذي بدأها في المجلد السابق فمنهم "عبد الرحمن الكواكبي" الذي يعد من أهم رواد النهضة العربية في القرن التاسع عشر و قد ترك لنا ميراث عظيم في واحد من كتبه عن طبائع الاستبداد.
وقد ذكرت في مراجعات سابقة لفيض الخاطر انه يعد دعوة للاطلاع و القراءة خارجه عن كل شئ فكان سببا لاكتشاف بيتين نُقِشا على قبر الكواكبي كتبهما حافظ ابراهيم :-
"هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى
هنا خير مظلوم هنا خير كاتب
قفوا وأقرؤوا أم الكتاب وسلموا
عليه فهذا القبر قبر الكواكبي"
وتميز كتابه إنه لم يقتصر على المصلحين في مصر فحسب بل تطور حتى وصل إلى تونس و اختار منها "خير الدين باشا التونسي# الذي تنوعت مظاهر إصلاحه في الإدارة و التعليم والاقتصاد وترك كتابه بعنوان اقوم المسالك في معرفة احوال الممالك.
وفصل آخر عن عبوديتنا للوائح بكامل ارادتنا واتباعنا لها حتى وان كانت لم تناسب كل عصر وكأننا لا نمرر الأمر على عقولنا فمادامت هناك لائحة و قوانين و قواعد اذا علينا الانحناء لها و طاعتها العمياء مما يؤدي إلى بطء سير الاجراءات في كل شئ فالمقال يعد دعوة للخروج عن عبودية هذه اللوائح التي لا تسمن و لا تغني.
واختتم "احمد امين" مجلده بسؤال وُجه إليه تحتاج اجابته إلى تفكير وتمحيص .. سؤال في رأيي يجب أن يسأل إلى كل أديب و لكن ليس في بداية تكوينه بل بعد فترة.
فكل أديب تساعده بعض العوامل أو حتى الأشخاص الذين مروا بحياته على تكوينه و ايضا يساعد محيطه الاسري و أسلوب حياته ، عوامل عديدة تقوم بصنع الشخص منذ البداية دون أن يدرك بعضها لذا يظل البعض منها خفياً عن الأديب نفسه ، و هذا ما كتب عنه احمد امين في مقاله فمن عاطفة الحزن التي وضعت بذرتها داخله الى علاقته بوالده و قربهما سواء من خلال حبه للريف او حبه للقراءة و ايضا تعود الكتابة في مدرسة القضاء و الادب الانجليزي الذي امتلك عزيمة قوية على دراستها.
كل هذه العوامل الظاهر منها و الباطن كانت سببا رئيسيا في خروج الأديب الذي تكون داخله منذ صغره من مكمنه.
وبوصولي إلى هذه المحطة يكون احمد امين وضع نقطة في اخر السطر لهذا المجلد ، و لكنها نقطة وهمية سريعا ما تخفت كنجمة في السماء ، و الآن علي ان الملم حقائبي و ابحث عن قطار آخر يقلني الى محطة أخرى.
#قراء_الجرد_فيض_الخاطر