حتى أكون أمينا فى رأيى، أود الأشارة بداية أنى عندما
شرعت فى قراءة هذا العمل، لم أكن منجذبا أو مستمتعا
بالقدر الذى آمله، إلا أن صفحة تلو الأخرى وجدتنى
بداخل عالم أدبى ساحر .
" هل يمكن مواجهة العدم بأعادة سرد ما كان “ ؟!
هذا هو السؤال المطروح والذى أتى فى مستهل العمل، وتلك
هى الفكرة المحورية التى ارتكزت عليها الرواية ومضمونها
الأشمل من وراء الأصوات السردية لشخوصها
وكان ” سور مانشينى “، كحائط المبكى الذى علق
على جداره أبطال الرواية خيباتهم وصور ماضيهم التعيس
( زينة فقط ) فتاه صغيرة مجهولة تقتحم الأحداث بصورة
غامضة عندما تركت بيتها هربا من شيئا ما يطاردها
ويريد أن يقطع لسانها؟!، ذهبت زينة لتقيم مع
سيدة عجوز تدعى ( نعمات شامل ) التى تؤمن
فى قرارة نفسها أن أحدا ما سرق جسدها الذى كان
أيقونة فاتنة فى صباها، إلى حد أنها منحته لرسامين
الفنون الجميلة والنحاتين كموديل، بل إن جسد نعمات
تحول إلى منحوتة دعائية تم استخدامها
على أغلفة الشيكولاتة بقوام فتاك نافس بضراوة الغزالة
الأيقونية لشيكولاتة ( كورونا ) وهى إحدى القصص
التى سنستمتع بقراءة تفاصيلها التاريخية المثيرة والمؤلمة
وسنعرف أكثر عن الأسرار الخفية لصناعة الشيكولاتة
بطبيعة حال الزمن الذى لايترك شيئا على حاله تغير جسد نعمات وتحول إلى شيئا آخر مكتنز باللحم والشحم
تعثر زينة فى بيت نعمات على قصاصات تحوى
حكايات مبعثرة وجملا ملغزة لا تعرف الغرض
من العثور عليها، إلا أنها قررت استغلال
تلك المطويات لتصنع منها قصة متكاملة تعيد كتابتها
من هى زينة ؟! ومن أين أتت
وما علاقتها أصلا بالسيدة العجوز ؟!
سوف نعرف السر وراء تلك الشخصية مع نهاية القصة.
أمام منزل ( نعمات) يطل ذلك السور الذى يحيط
بأرض خربة كانت فى الماضى مشتلا للزهور ثم تحول
إلى مصنع للشيكولاتة ثم أممته حكومة عبد الناصر
وأقامت على أرضه مصنعا للصواريخ، ثم تحول على
يد البلطجى ( ميمى) وزوجته مدرسة الفلسفة (زيزى)
إلى سنتر تجارى متعدد الخدمات والأغراض، المشروعة
منها وغير المشروعة، لتنتهى بها الحال إلى قطعة
أرض خرابة تسكنها فى نهاية المطاف الكلاب.
نجحت ( زينة) فى تحويل المطويات من مجرد كلمات
متناثرة إلى حكاية تعكس صورة بانورامية لتلك
التحولات الأجتماعية والسياسية والأنسانية
التى مرت بأرض ذلك السور العتيق
وجعلت للشخصيات حضورا إنسانيا أقوي وأوضح
هنا الكاتب يتلاعب بمفهوم الواقعية السحرية بصورة
بديعة عندما حول كل ذلك ومزجه بخيط شفيف
من سريالية الواقع الذى خلط بين الحقيقى والمتوهم
داخل عقل شخصية ( نعمات ) .
”صور معلقة على السور “ تحفة أدبية قيمة كتبت
بحس تجريدى مدهش، خطها قلم من العيار الثقيل
وهو عمل مشرف جدير بحق أن يخوض ترشيحات
جائزة البوكر وكلى يقين أن فرصتها ستكون عظيمة
فى الوصول للقائمة القصيرة، أنا لا أعلم حقيقة
ان كان هناك شروطا وأحكاما أو أمورا لوجستية
ما تعيق ترشحها أم لا، انما أدعو الدار الناشرة المحترمة أن
تفكر جديا فى هذا الأمر ولو ثمة إمكانية ألا تفوت
هذه الفرصة، وستكون بلا شك واجهة
مشرفة للأدب المصرى .