"هل فكرت يوماً، بأنه قد يكون من النعم، أن لا يعرف المرء تفاصيل شيء ما؟ بأننا نحتاج أحياناً إلى تلك المساحة من الحُرية، التي يمنحنا إياها المجهول؟ أعني، هل يُمكننا أن نكون أحرار حقاً، إذا تم قياس وتحديد كل شيء في حياتنا بدقة؟ كيف يكون الحال، إن عشنا في عالم مُرتب بدقة، ولكن بشكل خاطئ؟"
تدور أحداث رواية "كواليتي لاند" في المانيا –سابقاً-، كواليتي لاند –حالياً-، في مُستقبل قريب نكاد نشم رائحته ونرى أثاره المُختلفة مهما تلونت الطرق الخيالية التي استخدمها "مارك- أوفه كلينغ" ليصبغ حكايته الديستوبية القاتمة، التي ورغم حسه الفكاهي الساخر لتخفيف سودواية الأحداث ولكن سيظل الرُعب مُتمسك بأفكارك؛ التي ستفجر خلايا رأسك من كثرة التشابهات بين واقع الرواية المُتخيل، وواقعنا الحقيقي، كُل تلك الرمزيات والإسقاطات المجنونة أحياناً والواقعية أحياناً تكاد تتلف خلايا رأسك المسكينة.
إنها رواية عن مواجهة النظام، عن مواجهة التطور الكاسح، فلو كان يُثير ذعرك ذلك الإعلان عن المنتج الذي تحدثت عنه مع صديقك عبر الهاتف فوجدته على وسائل التواصل الاجتماعي في كُل مكان، أنت تُريد هذا المنتج، أنت تُريده وبشدة، فماذا ستفعل عندما يكون ذلك المنتج لا تُريده، ولكن النظام يقول أنك تُريده؟ هل ستتبع النظام كأي وطني يُحب نظام بلده؟ ولكن كيل "بيتر" قد طفح وثار وماج، "بيتر" العاطل عن العمل، الذي يُدمر الآلات العاطبة عن العمل، يعيش حياة عادية، بل أقل من العادية، حياة يُحدد فيها النظام والخوارزميات ما يُريده، ما وظيفته، ما المكان الذي يسكن فيه، من يواعد، من يُحب، ماذا يأكل، وماذا يفعل، بل وحتى يحدد لك الأخبار التي يُريد لتراها، وبالطبع سيُحدد لك من ستختار كرئيس دولتك، فمن الذي يعيش هذه الحياة، بيتر أم النظام؟
كان "بيتر" مُتقبلاً لكل تلك التقييدات، حتى أن حبيبته تركته لترتبط بشخص أعلى مستوى منه، ولم يُبالي، حتى وصله ذلك الهزاز على شكل دولفين، ويقول النظام أنه يحتاجه، هذا ما تُظهره بياناتك يا "بيتر"، ولكن "بيتر" الواثق من ميوله تماماً، يقول أنه لا يريد هذا الهزاز الدولفيني الغبي، ومن هنا يصل "بيتر" إلى معلومة مهمة جداً، ماذا لو أخطأ النظام؟ ماذا لو ملفه الشخصي –الذي لا يُسمح بتعديله- مكتوب به بيانات خاطئة؟ والأهم من ذلك، لماذا لا يستطيع تعديل بياناته؟ ألا يتغير الشخص؟ ولكن النظام له رأي مُغاير تماماً.
"كواليتي لاند" هي رواية ساخرة ومجنونة، خيالية تتنبأ بواقع يقترب بشدة، بنا الكاتب عالمها من الصفر، ورغم أن الفكرة ليست مُستحدثة تماماً، ولكنها كانت تحتاج كاتب مجنون وذكي مثل "كلينغ" لكي تكون بهذا الجمال، والعمق، فيجعلنا رغم فُكاهة الأحداث نُدرك السودواية الكامنة خلفه، والتحذيرات المُختلفة من الأتمتمة التي تحصل لجنس البشر، فبعد ما كُنا نستخدم الآلات لراحتنا وتحقيق غايتنا، أصبحنا مجرد بيانات تستخدمها الآلات لكي تتربح الشركات الأكبر حجماً، ويزداد النظام ثراءاً ونفوذاً، وأصبحت حياتناً مُجرد سيناريو محفوظ مُحدد سلفاً نقوم بأداءه ولا نستطيع الحياد عنه، وإلا سنصبح في مواجهة النظام. وأنت تعرف جيداً ماذا يحدث لمن يواجه النظام، أليس كذلك؟
بكل تأكيد رواية مُمتعة ورائعة، ويُنصح بها.