"أحمد أيمن له أسلوب؟ آمنت بالله" هذا ما قاله الدكاترة زكي مباركفي حق الأستاذ أحمد أمين إثر معركة من معارك حرب "الشعر الجاهلي" التي عرفها الوسط الأدبي قبل حوالي مئة عام.
أما الشيخ الأديب علي الطنطاوي فيقول: "وأكثر ما يفيد ناشئة الأدب من هؤلاء وينير لهم طريق الكتابة هو أحمد أمين، لأنه يأخذ من الحياة مشهدا يشهده أو قصة يسمعها أو خبرا يقرؤه فيبني عليه، و(فيض الخاطر) في رأيي أنفع كتاب يتعلّم فيه المبتدئ الإنشاء"
وهكذا حال كل عظيم وكل علم من أعلام الأدب في زمنه لابد وأن تختلف حوله الآراء، فهذا الرئيس الأمريكي -وقد كان قارئا نهما- يصف هنري جيمس -الذي يعده البعض أعظم روائي أمريكي- ب"أنه كتلة صغيرة من السفاهة". لكن عادة الزمن في تطاوله وكر أيامه ولياليه الإنصاف، فيعطي كل ذي حق حقه وينزل الناس منازلهم؟ إنه لا ينكر أحد اليوم مكانة الأستاذ أحمد أمين وأثره في الأدب العربي الحديث، فهو قامة من قامته السامقة، ولعل أبرز أعماله التي تظهر فيها بصمته، ويظهر فيها أسلوبه الخاص كتابه (فيض الخاطر) الذي جمع فيه مقالاته المختلفة، المنشور منها وغير المنشور على مدار مسيرته الكتابية الطويلة. ولعل القارئ -وإن كان مسلّما بمكانة أحمد أمين الأدبية- يتساءل عن فائدة قراءة مقالات ستحتفل قريبا بمئويتها؟ وهل ما تزال تملك أية صلاحية لهذا الزمان؟ والحقيقة أن هذا السؤال وجيه، فهناك قسم كبير من المقالات تمتاز بقصر مدة حياتها، كتلك التي تكون تعليقا على حدث ما، أو مرتبطة بظرف معين، أو وليدة وضع سياسي خاص. ومع ذلك فبرأيي فإن مقالات فيض الخاطر ما تزال صالحة لعصرنا الحالي، وذاك لأسباب عدة منها:
-أسلوب الأستاذ أحمد أمين الذي يمكن أن يعد مدرسة مستقلة في فن الكتابة وفن المقالة على وجه الخصوص، يمكن للمتأدب دوما الإستفادة منه.
-كثير من هذه المقالات تحلل وتناقش وتحاول معالجة مشكلات أخلاقية وأخرى نفسية غير مرتبطة بزمان أو مكان، إذ هي إنسانية بالدرجة الأولى، ترتبط بالإنسان حيثما كان ومتى ما وجد.
- هناك أيضا مقالات أدبية نقدية هي الأخرى لا ترتبط بالزمان والمكان بل بالأدب دراسة ونقدا.
-كثير من المشكلات الاجتماعية التي كانت على زمن الكاتب وعالجتها مقالاته هي مشاكل متعلقة بالمدنية الحديثة، لم يزدها "التقدم الحضاري" إلا تعقيدا.
-حالة التخلف التي نعيشها في محيطنا العربي والإسلامي جعلت عجلة الزمن تتوقف في مجالات عديدة، فكأن تلك الظواهر التي كان يضج منها مجتمع أحمد أمين لم يمر عليها إلا يوم أو بعض يوم.
-التنوع الكبير في موضوعات المقالات، يجعل منها تأريخا مهما للمرحلة الزمنية التي عايشها الكاتب شاملا لمجالاتها السياسية والفكرية والاجتماعية والأخلاقية، فهو يعطي -لمن أحسن النظر- صورة واضحة عن تلك المرحلة في مجملها -وفي أحيان كثيرة- وتفصيلها.
هذا ما يحضرني الآن وهو أقرب لحديث عام عن كتاب فيض الخاطر بأجزائه -وعن صاحبه- لا لجزء منه، إذ أن تشعب المواضيع وتباينها أشد التباين مع عدم وجود وحدة موضوعية بينها وإن كان ألذ للمطالع وأخف على نفسه، إلا أنه يجعل من العسير أن يحيط حديثه بالكتاب أو بأحد أجزائه إحاطة كاملة دقيقة.
#قراء_الجرد_فيض_الخاطر